samedi 1 septembre 2007

التغيير الدستوري وسيناريو الانتقال الديمقراطي بالمغرب


د. محمد أتركين*


ماهي حدود إمكانية الاستمرار بالعيش بالمكتسبات الدستورية السابقة دون إحداث تغييرات في قواعدها تمكن من إمتداد خطاب الحداثة الى القاعدة القانونية؟ وماهي السيناريوهات المقبلة التي يمكن ان تطال طريقة وضع الدستور والفاعلين المشاركين في صياغته والقواعد المؤسسة لفكرته؟ وماهي تمثلات مصالحة الدستور المغربي مع فكرة المأسسة، الحقوق والجهوية الدستورية؟
*

الانتقال الديمقراطي مسلسل سياسي يروم توقيف القواعد الاتوقراطية وتعويضها بأخرى ديمقراطية، فهو يجسد لحظة المرور من نظام سياسي مغلق إلى نظام آخر مفتوح ويؤسس لعملية بناء قواعد سياسية جديدة تعكس طبيعة التسوية التي انتهى إليها أطراف الميثاق السياسي للانتقال الديمقراطي.
ويطرح في قلب معادلة الانتقال الديمقراطي، دور المتغير المؤسساتي لفهم سقوط الأنظمة الاستبدادية وتدعيم اشتغال الأنظمة الديمقراطية، بمعنى مدى قدرة الدستور على شرح عملية الانتقال والتدعيم الديمقراطيين ؟،
فالدستور لم يعد في قلب التعريف الإجرائي والمسطري للديمقراطية بل أيضا واجهة مؤسساتية لمسلسل الدمقرطة من خلال علاقة القوة التي تحكم عملية الانتقال الدستوري وطبيعة الأجوبة والهندسة المؤسساتية التي يقدمها في مرحلتي الانتقال والتدعيم الديمقراطيين.
إن القواعد القانونية للانتقال الديمقراطي هي نتاج لمسلسل تداول جماعي، أفضى إلى صياغة توافق يحيط بالشكل الجديد للتنظيم، النموذج المؤسساتي وقواعد اللعبة السياسية...فدستور الانتقال يظهر في مجال سياسي يتسم بتعددية المقررين وبالرغبة في تأسيس صك يحظى باتفاق إرادات أطراف الانتقال.
فالانتقال الديمقراطي والدستور ليسا زمنين سياسيين متميزين لمسلسلين متباينين بل إن الوثيقة الدستورية داخل مسلسلات الانتقال الديمقراطي تطرح كآلية للخروج من البنيات السياسية لنظام ما قبل الانتقال وتسمح بمتابعة دينامية وإكراهات الدمقرطة وميلاد مؤسسات جديدة تروم المصالحة مع فكرة القانون والحقوق.
إذا انطلقنا من كون الميثاق السياسي آلية للانتقال الديمقراطي وفي ارتباط مع المسلسل الدستوري في السياق المغربي، وبتوظيفنا للمنهج التاريخي نكون أمام ثابتين يمكننا من قراءة ثلاث مراحل كبرى في تاريخ المسلسلين الديمقراطي والدستوري بالمغرب:
الثابت الأول: أن المواثيق السياسية في التجربة المغربية هي مواثيق للاستقرار وليست مواثيق للانتقال الديمقراطي، بحكم خضوعها لميزان قوى مختل لفائدة الملكية وتوظيفها لإدامة استمراريتها بالرغم من التغيير الذي يطال تركيبتها ( نخب قروية، حضرية، تكنقراطية..) وطبيعة القواعد السياسية المنشأة في أعقابهـا ( مفتوحة، مغلقة ) أو الغايات الآنية التي توضع في خدمتها.
الثابت الثاني: أن الوثيقة الدستورية بقيت فكرتها السياسية والمشروع الذي رسمته قارا في جوهره منذ لحظة التأسيس والولوج الى العهد الدستوري ولم تتغير قواعدها وطبيعة مؤسساتها والفضاءات المتروكة لتنافس النخب وللشرعية الانتخابية في علاقة مع مسلسلات التوافق المشكلة على هامشها، فالتغيير في التوافقات السياسية قد واكبته أزمة ترسيمها دستوريا في قواعد مكتوبة تحظى برضى جميع الأطراف.
فهذين الثابتين قد تبدا تاريخيا عبر المراحل التالية:
المرحلة الأولى: وهي مرحلة تعود زمنيا الى ما قبل الاستقلال وبالضبط سنة 1944 وتمتد الى حدود سنة 1972، ابتدأت بميثاق بين السلطان ونخبة الحركة الوطنية حدد الاستقلال كهدف له وبالتالي فإن بناء دولة الاستقلال قد اصطدمت بغياب مشروع حول الديمقراطية وتوافق على طبيعة التنظيم وقواعد اللعب، مما أدى الى ميلاد ميثاق ضيق بين الملكية والنخبة القروية حاول الاشتغال وفق دستـور 1962 الذي لم يكن نتــاج " تعاقد دستوري " مما ولد أزمة للميثاقين السياسي والدستوري تمثلت في عدم قدرة التوافق من أعلى على ضبط احتجاج القاعدة وفي الانتقال من القانون الدستوري العادي الى القانون الدستوري لحالة الأزمـة.
إن عدم استيعاب طبيعة الترابط بين الميثاقين السياسي والدستوري هي التي ستؤدي الى فشل دستور 1970 الغير مؤسس لا على توسيع دائرة الميثاق السياسي وتقليص جبهة الرفض ولا على توافق حول القواعد الجديدة المنظور إليها باعتبارها انتكاسة قياسا لملامح برلمانية دستور 1962.
المرحلة الثانية: والمدشنة بأزمة التوافق الدستوري لسنة 1972 الى حدود المراجعة الدستورية لسنة 1992، وهي فترة اتسمت بميلاد ميثاق سياسي بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية على مرجعية قضية الصحراء، فإثارة حدث خارج عن اللعبة السياسية العادية قد مكن من تأسيس حوار بين الفاعلين قاد الى صياغة تراضي حول الزوج الوحدة الترابية – المسلسل الديمقراطي، لكن تدبير هذا التوافق لم يؤد الى إعادة النظر في صك الدستور ولا الدخول في مسلسل دمقرطة حقيقية إذ بقيت صيغة المسلسل الديمقراطي تابعة فقط لتطور ملف الوحدة الترابية.
إن ورود ولأول مرة لتيمة " المسلسل الديمقراطي " ضمن أرضية التوافق يجعلنا نتساءل عن استمرار هذا الميثاق في تأطير الفضاء السياسي المغربي لأزيد من عشرين سنة خارج هذا الالتزام ؟ ولماذا لم يؤد الإخلال بأحد مضامين " التعاقد " الى أزمة الميثاق ؟.
المرحلة الثالثة: حـيث بـدأت تطرح المسـألة الدستورية بطريقـة جديـدة ( المذكرات، التوافق...) بالانتقال الى مرحلة " التدبير التوافقي " والتفاوض بشأن إدماج آلية " التناوب السياسي " وكانت النتيجة تناوب عبر وساطة المؤسسة الملكية مسبوق بتسوية دستورية على مقاس مرحلة التناوب، بمعنى تسجيل تغيير في الميثاق السياسي بتحول أحزاب الحركة الوطنية من مستوى المشاركة في مؤسسات التمثيل الى مستوى تدبير المجال الحكومي الخاضع للتناوب في استقرار لسقف قواعد اللعبة السياسية التي حازت توافقا " سياسيا " لايمكن من ملامسة قواعد وأطراف التوافق.
وقد أدت لحظة الاستخلاف باعتبارها لحظة تغيير على مستوى رئيس الدولة الى طرح أسئلة تروم الى إعادة تشكيل القواعد المنظمة للحقل السياسي المغربي، إن إختفاء رئيس الدولة افترض أنه يحيل الى نهاية طريقة للحكم، نمط للتدبير، تصورلطبيعة التحالفات ودورها...مما جعل تيمات المؤسسة الملكية ودورها في المشروع الديمقراطي، طبيعة المشروع السياسي للنخبة وآلية تدبير الواجهات السياسية والدستورية للانتقال الديمقراطي تطرح في الفضاء العمومي عبر معادلات التحديث السياسي – الانتقال الديمقراطي.
فتجاوز " التجديدات " التي أطرت حدث الانتقال ومضامين عملية تسويق الصورة الجديدة للملك، نلاحظ أن الأطراف السياسية قد فضلت الاشتغال وفق مرجعية للاستمرارية جسدتها طبيعة التعامل مع المكتسبات الدستورية والسياسية التي استمرت في مد الفاعلين بشرعية تدخلاتهم السياسية وعدم قدرة النخبة على الخلق والتجديد بسبب كونها نتاجا لسنوات من الإدماج والإقصاء تعذر معها الظهور بمظهر الوزن المضاد.
إضافة الى عدم التصرف كأطراف تحاول دمقرطة شكل سلطوي للسياسة وعدم وضوح مجالات " الرهان " المستعاض عنها باستمرار الاشتغال وفق الفضاء الايديولوجي للتوافق، واستبدال معجم " الانتظارية " الذي أثث الزمن السياسي لماقبل الاستخلاف بتعابير " الخوف من الحرية " المتمثل في ردود الأفعال الدولتية في مواجهة الحركات الاحتجاجية وعبر السياسات العمومية لأوراش الانتقال الديمقراطي المستبعدة لفكرة التغيير.
استمرار الأدوات التقليدية لاشتغال النظام السياسي واستبعاد المجال الدستوري ضمن أولويات المدبرين لأجندة ما بعد الاستخلاف، جعلنا ننطلق من فرضـية إيجـاد " ميثاق سياسي مفتوح " قادر على إدماج أطراف الحقل السياسي من أجل تحديد قواعد اللعبة التي لاتؤدي الى الإقصاء النهائي لأحد المشاركين سواء تعلق بالأمر بالدين، محتكري العنف والقطاع الخاص المكلف بتدبير الاقتصاد والتوازن الاجتماعي ميثاق غير مستند فقط على الإرادة السياسية للأطراف ولكن يمتد الى مستـوى " التعاقد الدستوري " بتحويل مضامين تسوية الانتقال الديمقراطي الى قواعد مكتوبة واضحة تمس واجهات الشرعية – المأسسة – بنية الدولة، وهي أسئلة وجدت لها وفي إطار القانون الدستوري للإنتقال الديمقراطي المقارن أجوبة حازت اتفاق الأطراف والقواعد المحكومة.
فالخروج من " النظام الحسني " الى ماينعت ب " العهد الجديد " قد أطر بثلاثة محدات:
أولا: أن أسئلة التغيير والإصلاح تطرح خارج الخطاطة الدستورية حيث استمرار التعايش بين مستويات دونية للتغيير مع استقرار في قواعد اللعبة السياسية.
ثانيا: أن النقاش حول الحداثة القانونية يصطدم بجمود البنيات الدستورية الحاملة للأزمة والمشبعة بالتأويلات التقليدانية والقراءة الشخصانية للسلطة.
ثالثا:وجود اتفاق ضمني على تهميش الورش الدستوري وجعله خارج أجندة وتفكير الأطراف الرسمية للحقل السياسي المغربي.
ومع ذلك فإن هذا الوضع السياسي المتسم بالانتظارية لايقود الى التوقف عن التفكير في الصيغ القانونية القادرة على إدخال المغرب الى مرحلة الانتقال الديمقراطية عبر بوابة الوثيقة الدستورية، إنه عمل لايروم الى الوصول الى يوتوبيا حالمة ولايعتبر هذا العمل مجرد " تمرين ذهني " ولكن الى مشروع دولة ومجتمع ديمقراطي عبر قراءة مقارنة تنظر الى التجارب الديمقراطية بمنظار إمكانية إعادة الانتاج.

الدستور في معادلة الانتقال الديمقراطي:
يتحول النص الدستوري كمدخل للانتقال الديمقراطي الى وثيقة للحقوق والحريات والى صك لتجسيد كتابة الاتفاق السياسي وكذا الى برنامج عمل للمقررين ومجالا لاستلهام محددات السياسات العمومية.
1- من دستور للسلطة الى دستور للحقوق:
تتأسس القراءة الجديدة للوثيقة الدستورية من إفلاس الاطروحات التي تنظر الى الدستور باعتباره فقط بنية فوقية شكلية يقدم لتبرير سلطة الأوليغارشية الحاكمـة، فالوثيقة الدستورية وفق القراءة الجديدة هي عقد مفتوح على الخلق والتشكيل المستمر بإدماج التغيرات الغير المتوقعة لحظة وضعه والانطلاق من المجتمع المدني وليس الدولة عبر الثقافة السياسية المجتمعية المعبر عنها داخل النص الدستوري.
فمسلسل التحول الذاتي للدستور يسمح بإدماج المبادئ الغير المكتوبة وإعادة اكتشاف القانون الدستوري الغير المكتوب مما يجعل الدستور الحي هو الذي يعرف ليس من خلال فصول الوثيقة ولكن انطلاقا من إعماله وتطبيقه بحكم أن الدستور لا يعمل بمفرده ولا في معزل عن سلوكات الفاعلين.
إن القراءة الجديدة للوثيقة الدستورية تجعل الصك الدستوري عقدا حيا وعملا للمواطنين بدل الحاكمين وتعبيرا عن الشكل الحديث للنشاط السياسي مما يجعل البناء الدستوري يعلن عن ميلاد الديمقراطية المستمرة التي تسمح للجميع بالمشاركة في تشكيل الإرادة العامة خارج الزمن الانتخابي عبر منح الحق للمواطن في التدخل في المسطرة التشريعية ومراقبة مؤسسات النسق.
ففكرة الحرية السياسية للمواطن لم تعد تمر عبر قناة فصل السلط التي سيطرت على النقاشات الدستورية في الماضي ولكن عبر تشكيل صك للحريات يتمكن بواسطته المواطنين فرض احترامهم على الحاكمين، فالدستور وحسب القراءة الجديدة لم يعرف العلاقة بين المؤسسـات بـل العلاقــة بين المواطنين والدولــة.
إن الدساتير لم تعد فقط كوابح فعالة لمواجهة انحرافات ممارسي السلطة بل أيضا حاملة لمفهوم العقد الاجتماعي بالانتقال من ديمقراطية الحاكمين الى ديمقراطية المحكومين، ديمقراطية لا تروم وضـع أسس النسق السيـاسي ولكن إدمـاج بعد الفرد / المواطن داخل معادلـة اشتغلت والى حدود الآن وفق زوج سلطـة / تنظيم.
فالقراءة الجديدة للوثيقة الدستورية تعلن عن ميلاد ديمقراطية المحكومين ليس من خلال الدستور السياسي الذي يرسي الوهم بكون الحرية محمية والتمثيلية الحقيقية مضمونة ولكن عبر الدستور الاجتماعي الذي يحول الوثيقة الدستورية الى صك للحقوق والحريات ويؤسس لمجال عمومي للمواطنة خارج وصاية الدولة.
حيث القواعد الدستورية الحقيقية لاشتغال النسق تتم عبر إدماج الممارسة السياسية والاتفاقية الدستورية مما يجعل النسق الدستوري نسقا ديناميكيا في مواجهة جمود النصوص أمام تطورات فضاء اشتغال الأطراف السياسية وصراع تأويلاتهم الدستورية تحت مراقبة مؤسسـة القضـاء الدستوري الذي دخـل لعبـة الحضور والحــوار مع باقـي المؤسسـات والموكولة إليه وظيفة البناء المتزايد لصك الاجتهاد القضائي للحقوق والحريات والفصل بين المجال العمومي والسلطة السياسية بفرضـه على قـرارات الأخيرة إكـراه مطابقتهـا للدسـتور الاجتماعي.
2- من أولوية السياسي الى اولوية الدستوري:
يظهر النص الدستوري من داخل ثنائية الدستور – الانتقال الديمقراطي باعتباره نتاجا عقلانيا لإرادات الأطراف السياسية ووثيقة اتفق الفاعلون على قواعدها وفق هندسة دستورية تحمل ملامح التوافق السياسي سواء على مستوى مضمونه أو أطرافه.
فالنص الدستوري يتحول الى رهان لأطراف ميثاق الانتقال، لنقل الاتفاق السياسي الى مستوى المنظومة القانونية الشكلية ويعبر عن المزاوجة بين الشرعية والمشروعية، السياسي والقانوني حيث الاتفاق الدستوري يصبح معبرا عن العلاقات المؤسساتية وملزما لأطراف اتفقت على الاحتكام الى القواعد المكتوبة المتوافق حولها.
إن الاتفاق الغير الشكلي أو الضمني للفاعلين يصبح آلية لتأطير مسلسل خلق القواعد الدستورية لكتابة نص دستوري يعيد تشكيل فلسفة التنظيم والعلاقات بين السلط وفق جغرافية دستورية تروم تأسيس الشكل السياسي للنظام الدي اتفقت أطراف الميثاق على إرسائه.
فالميثـاق الدستوري يفـترض وجـود أطراف سـياسية تتوفر عـلى وضـع سياسي ويروم محـتواه (أي الميثاق) الى إنشاء وضع جديد، حيث الآليات الدستورية موجهة لحل النزاعات السياسية القائمة أو المستشرفة من قبل مكونات الميثاق.
إن الدستور لم يعد نصا نظريا أو نتاج شخص ترنسندنتالي منتج لسلوكات إكراهية فقط بل مرتبط بطبيعة الفضاء السياسي الذي أفرزه ورهان الأطراف السياسية وميزان القوى الذي يجعل الدستور يظهر كاتفاق على حد أدنى من القواعد السياسية والتي تتوقف عملية تأويلها على استحضار إرادات أطراف الميثاق والفكرة السياسية التي أطرت عملية الإنتاج الدستوري.
فسلطة القانون التي أراد المؤسسون إرسائها توفق بين الأولويات السياسية والمحتوى القانوني للقواعد الدستورية وتقدم لتأطير نظام متراضى حوله حامل لبصمات علاقات القوة القائمة والإيديولوجيا التي حركت أطراف التعاقد الدستوري.
3-من وضع النصوص الجامدة الى سيناريو السياسات العمومية:
نقصد بالسياسات المؤسساتية رزمانة الإجراءات التي تحمل إنتاج إجابة مؤسساتية لوضع يعتبر أنه إشكال، فالسياسات المؤسساتية تعالج تباعا: تحديد الإشكال، تشكيل حل، اتخاذ القرار، تطبيق الإجراء وتقييم النتائج.
إن مقاربة السياسات المؤسساتية للوثيقة الدستورية تعني النظر الى هذه الأخيرة من الأبعاد التالية:
* أولا: أن السياسات الدستورية هي نتاج تفاعلات / تقاطعات الفاعلين تترجم داخل فكرة سياسية تقدم كمرجع يؤسس عليه برنامج السلطة السياسية من أجل الوصول الى أهداف معينــة، إرساء قيـم، إشباع مصالح ما.
* ثانيا: السياسة الدستورية لا تتوقف فقط عند القراءة النصية للدستور ولكن تحاول تأطيره بتحليل سلوك الفاعلين والشروط التي ينتج فيها هؤلاء تصوراتهم وممارساتهم لمعالجة قضايا معينة.
* ثالثا: أن السياسة الدستورية تحيل على البعد الزمني للوثيقة الدستورية من خلال التركيز على لحظة وضع الدستور أو تعديله وإدراجه ضمن أجندة الفاعلين وقياس درجة التوافق والصراع التي تلي التسجيل في الأجندة
فالوثيقة الدستورية يتم النظر إليها من خلال هذه المقاربة كنتاج لاشتغال الأطراف داخل فضاء تصارعي / توافقي من أجل حل إشكال سياسي يحمل رهانات متباينة تترجم داخل وثيقة تقدم كبرنامج لعمل السلطات، هذا الإنتاج ليس مغلقا بل يخضع لسياسات إعادة التوزيع وسياسات إعادة التنظيم التي تحاول احتواء المتغيرات السياسية والاستجابة لمطالب الأطراف وفق ميزان القوى القائم.
إن السياسة الدستورية ورغم الطابع المتقطع ( أو الاستثنائي ) للفعل الدستوري تحاول رصد ثلاث لحظات في حياة الوثيقة الدستورية، لحظة النشأة أي لحظة ميلاد التقنين حيث يتـم التسـاؤل مـن داخلهـا ( أي اللحظة ) عن من يقرر ؟ الفضاء السياسي والإيديولوجي المقدم لتأطير هذا الفعل والصيغة التي تم بها تنفيذ قرار الدسترة، محطة التطبيق بمعنى تحليل عمل المؤسسات وتقييم مدى تجذرها وتكيفها مع متغيرات الفضاء السياسي ورصد مكامن الخلل الوظيفي عبر مقولة الأزمة فمحطة الأثمنة أو التقييم أي تقييم عمل المؤسسات ومعالجة مكامن الخلل عبر آلية التعديل الدستوري.
فالسياسات المؤسساتية تفتح النقاش الدستوري على باراديغمات القرار السياسي ونظرية اللعب، وتنظر الى الوثيقة الدستورية باعتبارها فضاءا مفتوحا لرهانات الأطراف وتصوراتهم السياسية وكوثيقة حاملة لأفق استراتيجي محدد يروم ترجمة برنامج الحاكمين من خلال آليات اشتغالهم، فالوثيقة الدستورية تتحول ومن خلال السياسات المؤسساتية الى نتاج لمعادلة ثلاثية تتكون من: الفكرة السياسية, الغاية السياسية، المساطير والمؤسسات السياسية.

الفاعلون وتأسيس الميثاق الدستوري للإنتقال الديمقراطي:
إن الوصول الى لحظة تأسيس القانون الدستوري للانتقال الديمقراطي يقتضي ابداع فضاء قادر على تمثيل جميع الاطراف المطالبة بالاتفاق على القواعد الموجهة والمحددة لكتابة النص الدستوري، فقاعدة التوافق غير قاصرة على التسوية التي تقود الى تدوين وكتابة قواعد المنافسة السلمية بين النخب لكنها تمتد قبلا الى شكل الميثاق المفضي لتسوية دستور الانتقال الديمقراطي.
1- فضاء التراضي حول قواعد اللعب: تجاوزت تجارب الانتقال الديمقراطي ما يقدمه الفقه الدستوري الكلاسيكي من آليات لوضع الدستور الديمقراطي والمتمثلة في طريقتي الجمعية التأسيسية وتقنية الاستفتاء، ومرد ذلك إلى طبيعة الوثيقة الدستورية داخل مسلسل يروم إلى تأسيس فكرة جديدة للتنظيم بأطراف متعددة وبمؤسسات توافقية قادرة على تجاوز عدم يقينية المسلسل الديمقراطي بإدخاله مرحلة التدعيم المرتبطة باعتياد اشتغال اللعبة السياسية وفق ثقافة المؤسسات.
فالتصور الذي حكم دساتير الانتقال هو مأسسة سلوك التسامح وفعل الحوار عبر الإيمان بالمحددات الثلاث للحداثة القانونية المرتبطة بعقلانية المبادئ والمساطر الدستورية، وحضور تصور صريح أو ضمني لفكرة التعاقد والإيمان بمفهوم السيادة الشعبية، لنكون أمام رؤية تسامحية للوثيقة الدستورية كنتيجة لتداول الأطراف حول آلياتها.
فالنص الدستوري داخل مسلسلات الدمقرطة لم يعد نتاجا لسلوك التصويت أو الاستفتاء ولا تجسيدا لثقافة الانتصار بل مؤسسا لتيمة التوافق التي لازمت مسلسل إنتاجه بدءا بطريقة وضعه التي تستحضر ضرورة حضور وتمثيل الأطراف السياسية وتحويل القانون إلى آلية لرسم القطيعة مع النظام القانوني والسياسي لما قبل الانتقال.
وقد أفرزت تجارب الدمقرطة نماذج متعددة لتأطير التوافق، "فالحمى الدستوريـة" قد واكبتـها تغييرات عميقـة في شروط وممارسة السلطـة التأسيسية من قبيل:
- نظام المؤتمرات الوطنية أو الدمقرطة عن طريق المؤتمر الوطني: ارتبطت فكرة المؤتمر الوطني بتجارب الانتقال الديمقراطي بإفريقيا وقدم على انه نتاج فقدان النظام للشرعية أمام أنظار المحكومين، ليتحول الى هيأة للتوافق والاقتراح بامتلاكه لسلطة تأسيسية تخول له ليس فقط وظيفة الإصلاح ولكن تغيير النظام وتأسيس منظومة قانونية قادرة على تحقيق تصالح المجتمع مع ذاته ومنح شرعية جديدة للعلاقات القائمة بين الحاكمين والمحكومين.
فالمؤتمر الوطني يعد منتدى واسع للبحث وبشكل جماعي عن حل سياسي وتوافقي للأزمات التي يجتازها نظام ما قبل الانتقال، فهو يؤرخ للحظة مرور الأنظمة السياسية الأفريقية من النظام الأحادي الى النظام التعددي وفق آليات التوافق والتعايش على اعتبار أن المؤتمر الوطني ينظم من قبل السلطات التي عليها أن تغادر الحكم ومطالب منها أن تتفاوض مع الأطراف الديمقراطية ( المعارضة تحديدا ) لوضع قواعد شرعية جديدة وتأسيس لمرحلة الديمقراطية ودولة القانون.
وفي غياب لنص قانوني ينظم طريقة اشتغال المؤتمر الوطني فقد استقرت التجارب المقارنة على ضرورة وجود جلسة عمومية تقدم فيها الأطراف السياسية وجهات نظرها حول الأزمة ومقترحات للإصلاح قبل أن تشكل لجان توكل اليها مهمة إصلاح المؤسسات وتدبير عملية الانتقال عن طريق وضع دستور جديد وتنظيم انتخابات تعددية.
- الميثاق الدستوري والتوافق على الدستور المؤقت: يتأسس هذا النموذج انطلاقا من مفاوضات الأطراف السياسية داخل إطار معين يتم بمقتضاه الاتفاق على الحد الأدنى من المبادئ الدستورية تلهم واضعي الدستور النهائي وتشكل مقتضياتها ( أي المبادئ ) مضمون الحظر الموضوعي في الدستور، بمعنى أن الأطراف السياسية تقيد اشتغال السلطة التأسيسية الأصلية بحدود مرجعية شكلت مضمون الميثاق الدستوري.
فالمسلسل الدستوري بجنوب إفريقيا مثلا، قد انطلقت أشغاله من خلال إطار CODESA الذي جمع بين المكونات السياسية الراغبة في أن تكون ممثلة فيه واتفقت على وضع دستور مؤقت يكون محل نقاش عمومي مفتوح قبل وضع دستور نهائي يراعي احترام المبادئ 34 التي نظرت إليها الأطراف السياسية كنتاج للتسوية الدستورية المتوافق حولها.
هذه التجارب المقارنة يمكن لها أن تقدم ثلاثة أسس لاختيار الفاعلين لطبيعة فضاء التوافق في السياق المغربيوهي:
* أن تكون طريقة وضع الدستور تسمح بتعايش الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ومكونات المجتمع المدني في إطار هندسة واضحة لدوائر الاختصاص وفي احترام لمبدأ " التمثيل الذاتي " الذي يعلن عن نهاية آلية " الوصاية" الموظفة في الوثائق الدستورية الكلاسيكية.
* جعل المكنات الدستورية تؤدي وظيفة تجديد " التعاقد الدستوري " بإبعادها عن المضمون الضبطي / التنظيمي وخدمة مشروع المصالحة المؤسس على أنقاض القطائع مع آليات وطريقة اشتغال التنظيم السياسي لمرحلة ما قبل الانتقال الديمقراطي.
* نقل التوافق من مستوى الآلية القبلية لوضع الدستور الى آلية لاشتغال الدستور نفسه, عبر استحضار المؤسسات الدستورية والسياسات العمومية لروح التوافق التأسيسي.
2- مبدأ التمثيل الذاتي للفاعلين:
تروم آلية التمثيل الذاتي الى ضمان حضور مختلف الاطراف السياسية والاقتصادية والمدنية ومحتكري العنف المشروع في مسلسل صياغة الدستور، فبعيدا عن منطق الوصاية واعتبار عمل وضع دستور عملا سياديا او فنيا لتبرير عملية الانتاج القانوني، تظهر فكرة التمثيل الذاتي لضمان مصالح جميع الاطراف في المشاركة في صياغة القانون الأسمى والبحث عن مكانة لها داخل إطار ظل مؤمنا بمركزية القرار وأحاديته.
المؤسسة الملكية: إن طرح سيناريو تشكيل المؤسسة الملكية لنواة الميثاق السياسي للإنتقال الديمقراطي، ينطلق من الفضائل التي يمكن للديمقراطية أن تمد بها المؤسسة الملكية ومدى اقتناعها بكون سؤال الاستمرارية مرتبط باكتساب شرعية ناتجة عن قيادةعملية التحديث والدمقرطة، تؤهلها في ذلك خصائصها التي تجعل منها الفاعل الوحيد المتمع بوضع " المؤسسة " وعدم ارتباط شرعيتها بتقلبات الرأي العام وتعدد الخطاطات التي تستقي منها مبررات إجاباتها عن سؤال باسم ماذا تحكم ؟, كما أن وضعها كحكم فوق الفرقاء يمنحها مكنات إدارة عملية صياغة ميثاق قادر على تأسيس أرضية للتوافق بين المكونات المشكلة له لإنجاح مسلسل الانتقال الديمقراطي.
فمرحلة الانتقال الديمقراطي كمرحلة أزمة لاتطرح فقط مدى مساهمة وضع المؤسسة الملكية في قيادة عملية التغيير والدمقرطة والنتائج الممكنة عبر توظيف خصائصها المؤسساتية التي تمنحها امكانية الادماج والتعبير والتمثيل ولكن أيضا إكراه إعادة تشكيل " المنشآت " والدخول في مسلسل مأسسة حقيقية باستبدال الأنماط التقليدية للشرعية بأخرة تتأسس عبر طلب القانون.
إن خاصية المؤسسة لدى الملكية الناتجة عن تجذرها الاجتماعي وتعدد واجهات الشرعنة وعدم ارتباطها بتنافسية التحالفات السياسية، تجعل منها فاعلا قادرا على قيادة مسلسل الدمقرطة الذي سيمنحها شرعية موازية لشرعية مؤسسات النظام السياسي لمابعد الانتقال بتعويض آليات التسخير والإنشاء الموظفة في مواجهة الأحزاب السياسية والتأويلات التقليدانية للدستور بمنطق جديد لقواعد اللعبة يتأسس عبر الاحتكام الى القانون.
فالمستويات المشكلة للشرعية والتي تحيل على خطاطة تقليدية لتفسير سلوك الولاء أو استنادها على منافع مرتبطة بأنماط المكافآت المميزة للانظمة البترمنيالية, يطرح مدى قدرتها على جعل المؤسسة الملكية تنتقل من نموذج للإستقرار والاستمرار الى مؤسسة حاملة للتغيير ؟ خصوصا وأن مستقبل الديمقراطية بالمغرب يبقى مرتبطا بإرادة الملك في تنميتها, بمعنى مدى وجود أزمة داخل تركيبة الشرعية تجعل الملكية تقدم على تجديد آلياتها عبر شرعية ديمقراطية.
إن مسلسل البحث عن مصادر جديدة للشرعية يمر خارج معادلة الديمقراطية، عبر تمطيط الاشتغال وفق آلية المواثيق المؤسسة على توافقات ضيقة في المجالات السياسية والاجتماعية أو عبر مأسسة فعل " التضامن " بجعل التدبير الاقتصادي والاجتماعي يحتل اكثر فأكثر حقل الصراع السياسي، ومن تم فإن الإبقاء على تشغيل تركيبة " الشرعية الموروثة " يظهر فقط كحل مؤقت أمام تأزم نظام المكافآت وتنامي خطاب اللبرلة وتأهيل المقاولة الذي يمر عبر تفكيك الإدارة المخزنية للاقتصاد والاستجابة لمتطلبات المجال الخاص للمواطن.
فالديمقراطية كفكرة وكآليات بإمكانها منح شرعية جديدة للمؤسسة الملكية حينما تعتقد هذه الأخيرة بأن الديمقراطية لا تقتل فكرة الملكية وإنــما تنقذها بجعلها حاميا للنظام ( ordre ) المؤسس عبر التنافسية التي تسمح بها القواعد الديمقراطية ومنحها شرعيات الفاعل / الوسيط المتوفر على وظيفة حماية السير المنتظم للقواعد الدستورية.
الملك كفاعل داخل مسلسل الانتقال الديمقراطي المؤسس عبر قبول مكونات الميثاق الملكية كنمط للحكم وخصالها الذاتية سيؤدي الى اكتشاف: السمو، التمثيل، الرمز... ليس من داخل الحقول الدينية، التقليدانية، الشخصانية بل وفق مرجعية ديمقراطية تجعل المؤسسة الملكية فاعلا عاديا في الحقلين السياسي والدستوري وفق قواعد وضوابط قانونية تسمح بميلاد المؤسسة من داخل حقل الشرعية المجتمعية.
الفاعلون الاقتصاديون ومشروع دولة القانون اللإقتصادي: فرضت خوصصة المؤسسات العمومية على الدولة أن تتوارى في تشكيل العقد الاجتماعي الجديد وأن تترك مكانها في تدبير النزاعات الاجتماعية لفئة المقاولين التي تحولت من دور اللوبي الى دور الشريك الاستراتيجي في هندسة السياسات الاجتماعية بمجالات مرجعية جديدة تؤمن بالحوار الاجتماعي بدل الصراع الطبقي وبعلاقات مهنية بعيدة عن تأثير الأحزاب التي سحبت منها ورقة المركزيات النقابية منذ اتفاق فاتح غشت لسنة 1996.
فالمشاركة في الحوار الاجتماعي قد منح الباطرونا اعترافا من قبل الدولة و النقابات بمكانتها في هندسة العلاقات الاجتماعية خصوصا وان الفاعلين الاقتصاديين لم يبرزوا من الهامش ولكن من الأوساط السوسيوسياسية المدمجة على الخصوص في النخب السياسية والاقتصادية, ولتأكيد دورها كشريك اجتماعي عمل الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب على جعل المقاولات شأنا مجتمعيا ببلورة معجم يتأسس على تعابير المواطنة الاقتصادية، المقاولة المواطنة فالشراكة الاستراتيجية.
إن شرعية الوساطة لدى السلطات العامة التي يتوفر عليها الاتحاد العام لمقاولات المغرب ستمتد الى فضاءات فوق وطنية جعلت من الاتحاد ممثلا للقطاع الاقتصادي المغربي في البروتوكالات الدولية ومحفزا للشراكة الاوربية ومستقطبا للرساميل الاجنبية.
الى جانب الشرعية الاجتماعية، تظهر عملية مأسسة الباطرونا كمنافس للبنيات التقليدية للوساطة السياسية فالفاعلون الاقتصاديون منتظمون في إطار اتحاد عام يجد امتداده بغرفتي البرلمان التي أطرت مقاولتية الولاية النيابية مما جعل خطاب المقاولات يتجاوز حدود الدفاع عن المصالح الخاصة لفئة المقاولين بالتحول الى قوة اقتراحية تعرض مواقف الاتـحاد على المدبرين السياسيين
وبالتالي هل تستطيع، هذه الشرعيات المكتسبة ( الوساطة / التمثيل ) أن تمنح امكانية الاستقلالية عن السلطة السياسية التي عملت على تأطير مسارهم منذ البداية وكيف سيشتغلون في نظام مغلق يتأسس على مبدأ هيكلة عمل الآخرين ؟
فهم بروز المقاولين كفاعلين جدد، بوجود اتفاق ضمني مع السلطة السياسية شكل اتفاق فاتح غشت و انتخابات 1997 عناوين رسمية لمأسسته في امتداد لمنطق الصفقات السياسية التي أوكلت للمقاولين وظيفة الدفاع عن العرش في مقابل استمرار الحماية الدولتية للرأسمال الخاص، إن هذا التأويل يستحضر المنطق الذي يحكم التدبير الاقتصادي بالمغرب ويرصد عملية دخول الفاعلين الاقتصاديين الى الساحة العمومية تحت إشراف من الدولة بدءا بإعادة هيكلة الاتحاد العام لمقاولات المغرب، فمسلسل الحوار الاجتماعي، فالتعديل الدستوري لسنة 1996 الذي وسع من دائرة القانون الدستوري الاقتصادي وأعاد النظر في آلية التمثيل السياسي.
فالدولة من خلال منطق الريع تحاول أن تهيكل المقاولين داخل فضاء الدفاع عن العرش وأن تبعدهم عن مطلب دولة القانون الاقتصادي حيث تتحول علاقات مقاولين / دولة الى علاقات قانونية تحتكم الى الشكلانية القانونية التي ستظهر كمسوغ وحيد لتأطير سوق تنافسية حقيقية تعلن نهاية دولة الريع المؤسسة عبر النظر الى الاقتصاد كممول للتحالفات السياسية.
المؤسسة العسكرية ووظيفة الدفاع عن الوطن: أعادت حرب الصحراء وبشكل جذري رسم مكانة المؤسسة العسكرية داخل الفضاء السياسي متجاوزة بذلك السقف الدستوري الذي يجعلها مرتبطة بشخص الملك الحامل للقب القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، فالمؤسسة العسكرية قد اكتسبت شرعية جديدة هي شرعية المدافع عن الوطن في دائرة حدوده الحقة وزاحمت أحزاب الحركة الوطنية في رأسمالها الرمزي المترتب عن انتمائها الى فضاء الشرعية التاريخية، وتحول رجالات المؤسسة العسكرية سواء في أنظار الأحزاب أو المواطنين الى رموز وطنية ( ظاهرة إطلاق أسماء الضباط على الشوارع
أما معادلة التمثيل فتحيل على الانتقال مـن تمثيلية الأجيـال ( جيل الضباط في الجيوش الفرنسية، جيل محاربي جيش التحرير) وتمثيلية القبائـل ( القبـائل الامازيغيـة ) الى تمثيليـة الأمـة المغربيـة ( بعد قبول القبائل الصحراوية ضم أبنائها الى المؤسسة العسكرية ) خالقة بالتالـي تمثيليـة جديدة الـى جانب التمثيليـة الدستوريـة الساميـة والدوريـة، فالمؤسسة العسكرية قد استطاعت أن تتجاوز السقف الدستوري والفهم النيوبترمنيالي وأن تستشرف امكانية الوصول الى تمثيل ذاتي مبني على شرعية الفعالية والتمثيل الحقيقي للأمة، وتطرح نهاية حرب الصحراء فرضية عودة الاشتغال السياسي للجيش وهي الوظيفة التي حجبتها سنوات الحرب التي أظهرت بالمقابل نخبة الجيش كفاعل اقتصادي من خلال نمط المكافآت الذي استجاب لمطالب الرفاه المادي لهذه الفئة، فالتفكير في فترة مابعد الصحراء يمكن أن يستشف من خلال الأدوار الدولية الموكولة لهذه المؤسسة.
تستحضر المؤسسة العسكرية داخل معادلة الانتقال الديمقراطي من خلال معطيات أن مؤسسة الجيش ومن خلال طقس البيعة قد وضعت الى جانب المؤسسات الدستورية المدنيــــة ومراقبته لجزء غير هين من الاقتصاد مما يسمح له بالتخلي عن ميزانية الدولة، لكن أزمة نظام المكافآت ستعيد المطالب المادية للجيش الى الموازنة الدولتية وبالتالي خلق الصراع مابين الاجتماعي والعسكري، إضافة الى أن تمثيلية العسكريين في اتخاذ القرار غير ممأسسة إذ تغيب الشكلانية القانونية في العلاقات الوظيفية بين السياسيين والعسكريين ويغيب تحديد العسكريين الذين يلجون يوميا الى السياسية.
فالزمن النقذي قد أعاد النقاش حول المؤسسة العسكرية، علاقتها بأحزاب الحركة الوطنية التي استحضرت نخبة الجيش أثناء التحضير لعملية التناوب, كما أن ظاهرة الاحتجاج قد امتدت لتشمل محتكري العنف المشروع الذين بلوروا خطابا يدعو الى التحديث والشفافية..... وتحول الجيل الجديد من الضباط الى رموز لرفض الأسس التي قامت عليها المؤسسة العسكرية في إطارها الباترمنيالي.
مكونات المجتمع المدني وتشكيل الوزن المضاد للمجتمع السياسي: في مقابل جمود وانتظارية المجتمع السياسي، تمكن المجتمع المدني بفعل دينامية وسرعة التحولات الاجتماعية من تشكيل وسيط ثالث غير دولتي ولاحزبي ساهم في توسيع المجال الخاص وإعادة تشكيل المجال العمومي بنقله سؤال الانتقال الديمقراطي من مستوى النخبة الى المجتمع التي وعت مكوناته بأهمية الفعل في الواجهة السياسية عبر أشكال المشاركة السياسية ومراقبة العمل العمومي.
إن المجتمع المدني كشكل جديد للوساطة الاجتماعية، الثقافية وكذا السياسية قد ساهم في إعطاء دلالات إضافية لاشكالية الدمقرطة من خلال الاشراف على إبراز ونمو التعددية وتوسيع الحقل السياسي بانضمام فاعلين اجتماعيين جدد وتحويل الديمقراطية الى سؤال يومي عبر مقولة " الديمقراطية اليومية " وظهوره بمظهر اللوبي لدى المؤسسات الوطنية والدولية.
فشرعية المجتمع المدني لم تعد تطرح كمقابل لأزمة المجتمع السياسي، بل تتأسس عبر خصاله الذاتية وآليات اشتغاله ودوره في مسلسل الدمقرطة عبر تمثلات: تغيير المساطير المؤسساتية بدمقرطة النظام السياسي، تأسيس دولة القانون باحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية وتطوير المواطنة عبر مشاركة المواطن في تدبير الشان العام، إنها تمثلات تخترق مطالب تسوية ملف الماضي، الاعتراف بالتعدد الثقافي والمساواة القانونية بين الجنسين، هذه المطالب التي أعادت وبشكل قطاعي طرح سؤال الوثيقة الدستورية الذي انتقل من فضاء العلاقة مابين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية الى المجال العمومي عبر مطالبة مكونات المجتمع المدني بوضع دستور ديمقراطي وتفعيل معادلة استقلال القضاء.
إن تسريب قيم الحداثة / الفردانية / المواطنة، قد جعلت المجتمع المدني يسمو الى إيجاد نموذج جديد للدولة بحكم بروز ملامح قدرته على فرض التغيير الذي لم يكن نتاجا فقط لإرادة من أعلى لانفتاح النسق السياسي وتأثيره في التحولات السياسية والقانونية الكبرى للمجتمع، مما حدى بالدولة الى إشراكه كطرف في الحياة الوطنية ومنحه مجالا للتمثيل الى جانب الأطراف التقليدية للتمثيل السياسي ودعوته الى المشاركة في الفضاءات المؤطرة للأوراش الكبرى للإنتقال الديمقراطي من قبيل: أسئلة الحقوق والحريات، معادلة المساواة بين الجنسين، التعليم والتعمير ….
فقوة المجتمع المدني وقدرته على تشكيل سلطة مضادة للمجتمع السياسي لم تعد تقرأ من مداخل ضعف الدولة في نموذجها التدخلي ولا في أزمة وظيفة الوساطة ورفع المطالب بالنسبة للأحزاب السياسية بل في قدرة المجتمع المدني على التعبئة وقوته الاقتراحية وتمكنه من الخروج من وصاية المجتمع السياسي وتقديمه لبديل لها على مستوى البنية والهيكلة التنظيمية وبخطاب حداثي مؤسس على مرجعية الحقوق والحريات.
إن حدود الاشتغال الغير الذاتية والمرتبطة بقواعد النسق العام الغير ديمقراطيـة، قد جعلت مكونات المجتمع المدني تصيغ خطابا احتجاجيا حاملا لمقترحات بديلة خارج التعامل الأداتي الدولتي وطرح أسئلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر مقاربــة للديمقراطيـــة لاتحدهـــا في السقف السياســي بــل تنقلهــا الى العلاقات الاجتماعية عبر قنوات الأسرة، المقاولة … في مواجهة القواعد الدستورية الثيوقراطية والحدود السياسية المرسومة لتدخلاتها.
التيار الاسلامي: عملية البحث عن التميز والخصوصية من داخل الحقل الحزبي المتسم بغموض الإيديولوجيات وبغيـاب الـمشاريـع المجتمعيـة قادت حزب الـعـدالـة والتنـميـة الى الـمرور مــن " المساندة النقديـة " الى "المعارضة الناصحة" لحكومة التناوب، هذا التغيير على مستوى الدور داخل المؤسسة التشريعية والغير معبر عن تغيير جذري في مواقف الحزب، سيجعل تنظيم حزب العدالة والتنمية يبدأ في الاشتغال كحزب ديني في مزاوجة بين استراتيجيتين هما: استراتيجية المؤسسات واستراتيجية الشارع لخدمة مشروع الحزب الهادف الى أسلمة الدولة والمجتمع.
الوثائق المؤسسة للحزب وتقديمه دون القطيعة مع أصوله التاريخية واعتبار التحاق أعضاء الجماعة بصفوفه مجرد ولادة جديدة لا تحجب صفة الحزب الديني عن تنظيم حزب العدالة والتنمية، حيث مبادئه تروم الى " الانطلاق من المرجعية الاسلامية كأساس للمشروع الإصلاحي ودعم الهوية الاسلامية للدولة المغربية"، وعملية الانتقال من " المساندة النقدية الى المعارضة الناصحة " برر بكون حكومة التناوب ذات "توجهات علمانية مقلدة ذائبة في توصيات المنظمات الغربية وتوجيهاتها فيما يخص الأسرة التي تناقض تماما نظرة وتصور ديننا الحنيف لهذه الخلية المجتمعية" بل ويختزل حصيلة فريقه النيابي في "الدفاع عن الهوية الإسلامية للمغرب ومواجهة الانحراف عنها".
إن الممارسة السياسية قد جعلت حزب العدالة والتنمية لا يظهر بمظهر المؤزم لوضع الحركات الاسلامية الرافضة لقواعد وآليات اشتغال النسق السياسي بل كحركة دينية احتجاجية من داخل المؤسسات وكفاعل يبحث عن انهاء احتكار التعبير عن المقدس من طرف الدولة، فالعمل الحزبي قد بين عن التعامل الأداتي مع مفاهيم الديمقراطية والدستور وعدم الإيمان بها كأفكار لذاتها والاستعاضة عنها بمعجم يقوم على الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامــة الحكم الراشد
إن مشروع أسلمة الدولة في أفق إرساء نموذج " الحكم الراشد " يمر عبر قراءة ثيوقراطية لا ترى في النص الدستوري سوى الفصل السادس، فعملية تأويل هذا المقتضى الدستوري تتم دون ربطه بباقي الفصول الدستورية من قبيل الفصل 19 الذي يزيل تضارب التأويلات المترتبة عن صيغة " دين الدولة " بحكم تقديم الملك " كضامن لاستمرارية الدولة "، فحـزب العدالـة والتنميـة يطـالب بأن تكـون " جميع الأحزاب إسلامية " ويرسي تأويلا جديدا لوظيفة إمارة المؤمنين ويدعو الى إدماج العلماء كأطراف في المجال السياسي واستبدال آليات التشريع بتقنية الإفتاء.
تأويل الوثيقة الدستورية لإعادة النظر في قواعد اللعبة السياسية بتشكيل مجال ديني مضاد والعمل على إنهاء احتكارية الدولة لوظيفة الإشراف على الحقل الديني وتحويل إمارة المؤمنين الى رموز تشريفية في مقابل وجود هيأة للإفتاء سيؤدي الى التفكير في إعادة هيكلة المجال الحزبي عبر توظيف آلية الضبط القانوني لإزاحة الشرعية عن الأطراف المؤسسة لخطابها السياسي على استثمار الخطاطة الدينية ليس فقط للاحتجاج على السياسات العمومية للدولة بل في الانخراط ومن داخل مسلسل المشاركة في الحياة السياسية على تأسيس لنموذج نظام ومجتمع مغلوقين
إن قاعدة اشتغال النسق السياسي المغربي بمكون " التيار الإسلامي المعتدل " قد تعرضت للاهتزاز، عبر عدم تمكن مسلسل المأسسة والمشاركة في الحياة السياسية الرسمية من إدماج حزب العدالة والتنمية في اللعبة السياسية والاشتغال وفق قواعدها المتوافق عليها والقبول بمبدأ التنازلات الذي شكل القناة التي جعلته يندمج في التنظيم السياسي الرسمي، فالوثيقة الدستورية لم تستطع منع بروز فاعل يعمل على توظيف " الاسلاموية " كإيديولوجيا للصراع.
الأحزاب السياسية: سيمكن غياب أحزاب يمينية قوية من استمرار أحزاب الحركة الوطنية في اختزال التنظيمات الحزبية المغربية ومن تم استمرار مرجعيتها التاريخية في الاشتغال على مستوى الشرعية وتقديم معادلة التعاقد التاريخي لتاطير التوافق مع رأس التنظيم السياسي وضبط عملية المرور الى تنظيم سياسي جديد.
فتوازن النسق السياسي المغربي، قد انتقل من معادلة الصراع بين الملك / أحزاب الحركة الوطنية الى معادلة توافق الطرفين الموظفة في لحظات الأزمة، حيث شكلت الخطاطة التي بمقتضاها تمت التعبئة لاسترجاع الصحراء وإعادة إدماج التشكيلات السياسية في المسلسل الانتخابي، كما مكن الطرفين من الاتفاق حول استعجالية الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في أعقاب نشر تقرير البنك الدولي لسنة 1995 ومهد أيضا من خلال تجربة التناوب الى تحقيق سلمية عملية انتقال الملك.
إن ترسيخ " ثقافة التسوية " من خلال إعادة تشغيل البعد التعاقدي في اللعبة السياسية المغربية، قد أدى الى جعل الميثاق قاعدة سياسية عادية بخصائص معينة تتمثل في ضمنية هذه المواثيق وعدم تحويلها الى مواثيق صريحة، كما أن وظائفها قد ابتعدت ومن خلال تمثلاتها التاريخية عن تقديم مداخل قانونية ومؤسساتية لانجاح المسلسل الديمقراطي الذي بقي في مستوى الخطاب السياسي لأطراف اللعبة السياسية منذ أواسط السبعينات.
لكل ذلك، هل يمكن لهذه المعادلة أن تقدم كآلية لتحقيق الانتقال الديمقراطي ؟ أم أن توظيفاتها التاريخية تجعلها غير قادرة على الانتقال من مستوى شرعنة التنظيم السياسي القائم الى مستوى تقديم قواعد جديدة لاشتغال الحقل السياسي المغربي ؟ وهل الزوج ملك / حركة وطنية قادر على اختزال تركيبة أطراف اللعبة السياسية ؟
إن أزمة آلية التعاقد التاريخي لا تكمن فقط في مستوى الفضاءات التي تمنحها والحدود المرتبطة بإعمالها ولكن أيضا بتركيبة أطرافها حيث لم يستطع ورثة الحركة الوطنية التحول الى قطب سياسي يقطع مع أشكال الشرعية التقليدية ويبلور ثقافة سياسية جديدة قائمة على الديمقراطية والفعالية، كما أن فشل دوران النخب على مستوى بنياتها الداخلية وصعوبة تصريف تناقضاتها عبر قنوات الديمقراطية الداخلية قد جعلها تعيد إنتاج خيار " الانشقاق " الذي لم يستطع إطار الكتلة احتوائه.
كما أن المرور من دور المعارضة الى لعب دور الأغلبية من خلال تجربة التناوب، لم يتسم بترجمة خطابها الإصلاحي خصوصا في شقه الدستوري والمؤسساتي، إذ بقيت نخبة التناوب في مستوى وظيفة التدبير ووفق سقف مؤسساتي وقواعد لم تحمل تأويلات جديدة تعكس التغيير الذي طال النخبة الحكومية والقواعد الدستورية والسياسية التي اشتغلت سابقا خارج معطى التناوب.
3- تحديد قواعد كتابة الوثيقة الدستورية: نقصد بسؤال تحديد قواعد كتابة الوثيقة الدستورية، ايجاد اتفاق قبلي على المحددات التي تشكل أرضية كتابة النص الدستوري، فباستثناء فكرة ضمان السمو القانوني والسياسي للمؤسسة الملكية، لانجد فكرة اخرى تحرك المشرع الدستوري المغربي، إن هذا الاتفاق على هذه القواعد يحيل في العمق الى الاتفاق على طبيعة دولة مابعد الانتقال والتراضي على الأسس العميقة لبرامج المدبرين لحكومات دولة الانتقال الديمقراطي.
ويمكن اعتبار الايمان بقاعدة " عدم الانتصار " أهم فكرة لتجاوز حالة الدساتير المغربية السابقة المبينة على مقولة " المنتصرين " بتأسيس لحقل سياسي ذو مركز واحد حيث العمل الدستوري لا يتم دون حضوره المادي والرمزي، كما ان استبعاد امكانية التأويل الدستوري وحكرها على المؤسسة الملكية قد ولد قراءة وحيدة للنص الدستوري وشرعنة لمعنى واحد للنص بعيدا عن تعددية وتنافسية القراءات، كما أن آلية " المصالحة " تتحول في دساتير الانتقال من آلية لتجاوز انتهاكات حقوق الانسان في زمن "اللاديمقراطية" الى قاعدة دستورية تمكن من إدماج الأطراف المؤمنة بفضائل التوافق وتجنب الإقصاء.
أما قاعدة " التعددية " فتمكن من تجاوز " وهم الوحدة " الذي يخترق الدستور المغربي، فالتعددية لاتحيل فقط على تعددية مراكز القرار والسماح بميلاد أطراف عدة ولكن أيضا الى ضمان تعددية المرجعيات واللغات والسماح بأشكال تدبيرية للمجال بعيدا عن المركزية.
وتبقى قاعدة منح الشرعية للعمل الدستوري أهم قاعدة لانجاح التوافق المجتمعي على الوثيقة الدستورية، حيث ضرورة البحث عن صيغ لتسريب النقاش الدستوري الى القاعدة المحكومة ومنحها إمكانية المشاركة في التداول والتقرير بعيدا عن المواثيق الضمنية والتوافقات الهادفة الى إقصاء الجماهير والاستفتاءات على شخص واضع النص، إن الشرعية المجتمعية يجب أن تواكب لحظات ميلاد النص وأن تكون سلطتها أيضا نهائية.

القواعد الدستورية لدستور الانتقال الديمقراطي:
يطرح التغيير الدستوري داخل سيناريو الانتقال الديمقراطي بالمغرب، مدى قدرة الميثاق السياسي على صياغة اتفاق وانتاج وثيقة دستورية تمكن من تأطير الفضاء السياسي المغربي لمرحلة الانتقال الديمقراطي، وثيقة تعيد الدستور المغربي الى إطار الدستورانية وتتجاوز أزمات الفكرة والممارسة الدستوريتين التي جعلتا القواعد الدستورية غير قادرة على تشكيل كوابح لآليات اشتغال النظام السياسي المغربي.
إن شكل الميثاق السياسي المفرز لوثيقة الانتقال يبقى سؤالا غير علمي ومعرقل ومرتبط بتفكير الأطراف السياسية وقدرتها الابداعية والمجال المسموح به لاستلهام تجارب الانتقال الدستوري التي قدمت نماذج المؤتمرات الوطنية، الندوات الوطنية...كفضاءات لوضع دساتير أنظمة ما بعد الانتقال في تعايش بين إرادات أطراف الانتقال والشرعية الانتخابية بترك هوامش للقواعد المحكومة لمنح ثقتها لوثيقة راسمة للقطيعة مع الماضي وحاملة لأفق قانوني للنظام الجديد.
فالوثيقة الدستورية المتخذة كمدخل لفرضية الانتقال الديمقراطي بالمغرب هي الوثيقة القادرة على دسترة شرعية غير تقليدية للمؤسسة الملكية ومجيبة على سؤال المأسسة المتخذ من فصل السلط قاعدة له والمعيدة لتشكيل هوية دولة خارج فكرة المركزية بالاعتراف بالتعدد من داخل الوحدة عبر ميكانزم الجهوية والفدرالية.

1- دستور الحقوق والحريات:
هل يمكن لتعايش التركيب خصوصية / عالمية أن يستمر في الاشتغال على مستوى الوثيقة الدستورية ؟ أم أن هذه القاعدة الدستورية تقف عائقا أمام احترام الالتزامات الدولية والخطاب السياسي للدولة المنسوج حول تيمات دولة القانون، حقوق الانسان؟ وهل يمكن للمرجعية الدولية للحقوق التي تستند عليها الحركات الحقوقية أن تخلخل البنية الدستورية للخصوصية وتؤسس على أنقاضها فكرة دستورية جديدة منفتحة على المعاهدات الدولية وبيانات الحقوق العالمية ؟
لم تعد الحركات الحقوقية ومكونات المجتمع المدني تستند في خطابها الاحتجاجي على مطالبة الدولة بتجاوز مستوى الإعلان عن الإرادة بتفعيل وثائق الحقوق والحريات ونقلها من مستوى شكلانية النصوص الى إعمالها كقواعد ضابطة للفعل السياسي، الاقتصادي والاجتماعي بل أصبحت ترفع مطالب تروم الى ترجمة التزامات الدولة المنتمية الى القانون الاتفاقي على مستوى القواعد الوطنية وتلميع صورة المغرب ليس فقط في مواجهة الأطراف الدولية بل أيضا أمام أنظار القاعدة المحكومة.
فأشكال التحفظ الدولتي، وتقديم مبررات الخصوصية الثقافية، لم يمنع هذه الأطراف على الاحتجاج وإن خارج مقتضيات البناء الوطني على الدولة ووفق ثقافة حقوقية تتجاوز الحقوق المنتمية للجيل الاول والثاني لحقوق الانسان بل وتتم عملية تقويم السياسات العمومية الحقوقية في استحضار لفضاءات العالمية وتوصيات المؤتمرات الدولية وبنود من إعلانات الحقوق، مما يشكل ميلاد فضاء مضاد للسقف القانوني الدولتي وإن كان يستمد شرعيته من تأويل موسع لمقتضى دستوري بقيت دسترته في مستوى ديباجة الدستور.
إن المجال العمومي للحقوق، قد أسس لثقافة حقوقية جديدة لم تعمل سياسة التعديل الدستوري على إدماجها من قبيل الحقوق الثقافية واللغوية وحقوق الشعوب الأصلية وحقوق المرأة التي لم تتجاوز مبدأ المساواة الذي لم يفعل ولم يعد انتاجه في المستويات القانونية تحت دستورية ( مدونة الأحوال الشخصية نموذجا )، كما أن خطاب المصالحة الوطنية يوضع خارج استحضار المقتضيات الدستورية واستلهام تجارب الانتقال الديمقراطي وقواعد الإنصاف والعدالة، في حين يتم تقييم المؤسسات الوطنية المشرفة على مجال حقوق الإنسان في مدى احترامها للمعايير الدولية والقوانين الداخلية في مدى تأثرها بالمبادئ الكونية كمبدأ الحق في محاكمة عادلة.
فهذا التباعد بين الفضاء القانوني الدولي والفضاء القانوني الدولتي لم يؤد الى تغيير في فكرة اشتغال ومرجعية السياسات العمومية للدولة في مجال حقوق الانسان، بل ولد رد فعل تقليداني يرمي الى احتواء المطالب الحقوقية من خلال توظيف آلية الفصل 19 وتشكيل منشآت استشارية بإحداث المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، ترميم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، اللجنة الملكية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية وديوان المظالم في استقرار للبناء الدستوري وفي استمرار التمسك بالخصوصية.
مما يجعل الوثيقة الدستورية الحالية غير قادرة على تشكيل مدخل لتأسيس دولة المواطنة وصكا للحقوق والحريات بتفضيلها الانغلاق على الخصوصية وعدم ترجمتها لتطورات فكرة الحقوق التي أصبحت عنوانا للشرعية في شقيها الوطني والدولي، كما أن استمرار التأويلات التقليدانية للنص الدستوري والإجابات الدولتية الغير المنفتحة على العالمية، يعني تأبيد اللاتوافق بين مشروعين مجتمعيين متباينين الأول يقوم على توليفة المسوح الحقوقية الحداثية ومجتمع الرعية والثاني مؤسس على مبدأ المواطنة ويروم الى إنشاء دولة المواطنة من خلال تحديث الحقوق والحريات.
إن البنية الدستورية القائمة على المصالحة مع التقاليد المحلية والقيم الدينية قد أدت الى تداخل الديني والدنيوي، السياسي والديني وأفضت الى تشكيل مجال عمومي يقصي فكرة اللائكية مما أدى الى فشل الوثيقة الدستورية في تشكيل مدخل للتحديث في وقت تظهر فيه البنية القانونية تحت دستورية مبتعدة بشكل كبير عن المرجعية الدينية، مما يشكل نوعا من " العلمانية الضمنية " الناتجة عن تعايش النصوص ذات الأصلين الديني والوضعي.
فاللائيكية لازالت تطرح بشكل محتشم ولم تتحول بعد الى رهان سياسي لأطراف اللعبة السياسية الذين يستعيضون عنها بمقولة " تجديد التأويل الديني" الموظفة بشكل دفاعي في مواجهة ظاهرة الاسلام السياسي، مما يعني تجديدا للمصادر الرئيسية للشرعية وعدم التفكير في إعادة النظر في القواعد المؤسسة للنظام (ordre) السياسي والمحتوى المعطى لمفاهيم: الأمة، الدولة، القانون.
إن النموذج الذي حاولت الوثيقة الدستورية صياغته والذي غابت عن إيديولوجيته المهيمنة فكرة اللائيكية لم يعد قادرا على تأطير حقل سياسي تظهر فيه أطراف جديدة يشكل المقدس هويتها السياسية وتنطلق من فهم جديد للاسلام يزيح عن اسلام الدولة وممثليه الشرعية، مما يجعل القواعد الدستورية تشتغل وبدون ضمانات دستورية تجعلها في منأى عن تأسيس وعلى أنقاضها نظام جديد يقوم على مرجعية غير وضعية مما يجعل من الخطاب العلماني القادر ولوحده على مواجهة ظاهرة الإسلام السياسي.
فدسترة اللائيكية تعني إدماج الشرط الثقافي للديمقراطية واعتباره قاعدة للعبة السياسية وشرطا للولوج الى الحقل السياسي و ضمان استقلالية المجال العمومي عن المقدس الذي يتحول الى فضاء ليس لتأويل النصوص الدينية ولكن لتنافس المشاريع السياسية بالانتقال من دائرة الافتاء الى مجال السوق السياسية إضافة الى اعتبار الروابط القانونية المسوغ الوحيد للعلاقات القائمة بين الأطراف السياسية.
إن فكرة وآلية اللائكية ستمكن الوثيقة الدستورية من تشكيل المدخل القانوني للتحديث الرامي الى القطع مع الفهم الثيقراطي للنص الدستوري حيث ازدواجية سيادة الله وسيادة الأمة وتأسيس نسق سياسي قادر على الاشتغال وفق مقتضيات سمو الدستــــور، فصل السلط......واعتبار المقتضيات الدستورية المسوغ الوحيد للشرعية السياسية والضابط لاشتغال النسق السياسي وتدعيم مسلسل الدمقرطة وحماية القنوات والمؤسسات الديمقراطية من المشاريع الدينية وخطر العودة الى ثيقراطية القانون الدستوري.
2- دستور المؤسسات:
تقوم معادلة الانتقال الديمقراطي في واجهتها التدعيمية على ضرورة وجود نسق سياسي ممأسس يحتكم الى الشكلانية الدستورية، ففكرة المأسسة يجب أن تحكم الوثيقة التي يقدمها أطراف الانتقال باعتبارها سقف التوافق وقواعد اشتغال النظام الجديد لمابعد لحظة الانتقال.
فالوثيقة الدستورية في صيغتها الحالية غير قادرة على تشكيل السقف القانوني لممارسة ديمقراطية دستورية بحكم تغييب المأسسة عن الفكرة التي حكمت صياغة مقتضياتها بإبعاد مفاهيم فصل السلط و التمثيل السياسي و استقلال القضاء عن النص الدستوري واستبدالها بنظام " شخصانية السلطة "، فعودة المأسسة كفكرة وكقاعدة للعبة الى النص الدستوري المغربي تعني اكتشاف البعد الدستوراني باعتباره نظاما للكوابح واتخاذه كإطار لإعادة توزيع السلط في اتجاه تأسيس فضاء مستقل لمؤسسة الوزير الأول يعيد الهندسة الدستورية للسلطة التنفيذية المدمجة لشرعية الانتخاب ولفكرة الاشتغال بقطبين، كما أن المأسسة تعني تأسيس نسق سياسي عبر القناة الانتخابية المانحة لشرعية الفعالية والإنجاز وميلاد سلطة الإرادة العامة الحائزة على وظيفة التمثيــــل السياســــي للأمــــة في دلالاتهـــا الغير إسلامية, وتخويل السلطة القضائية إمكانية ممارسة التحكيم والتأويل القضائيين بتدعيم مسوغات استقلاليتها ومنحها إمكانية مراقبة سمو الدستور والتأكد من مدى احترام تدخلات الأطراف السياسية للشكلانية الدستورية.
- من حكومة جلالة الملك الى حكومة الوزير الأول:
أظهرت القراءة الدستورية للتناوب التوافقي على أزمة النصوص المؤطرة لفضاء تدخل مؤسسة الوزير الأول وعدم قدرة المقاربة الشخصانية على تجاوز فكرة دستورية مؤبدة داخل القواعد القانونية تقضي بتهميش هذا الفاعل عبر مستويات الشرعية، الصلاحيات، الإشراف على الجهاز التنفيذي إضافة الى غياب فضاء دستوري خاص بالوزير الأول وانتماء العلاقات التي تربطه بباقي السلط الى مجال القواعد الغير المكتوبة القادرة لوحدها على تبرير علاقة برلمان منتخب بوزير تكنقراطي، وطبيعة الإشراف على مجال السلطة التنظيمية بوجود وزارات المجال الملكي.
مما يجعل من الوزير الأول مجرد امتداد لصلاحيات المؤسسة الملكية وواجهة لإعمال مبدأ مسؤولية الحكومة في غياب مسوغات قانونية واضحة تمنحه قيادة وتوجيه العمل الحكومي، فالتغيرات التي عرفتها نخبة مؤسسة الوزير الأول وفي علاقة بطبيعة الأدوار السياسية الضمنية الموكولة لها، لم تؤدي الى بلورة ممارسة خاصة بهذا الفاعل تصل الى مستوى الأعراف الدستورية الضابطة لاشتغالها، ولم تتغير درجة تفعيل صفة الوزير الأول باعتباره وزيرا غير عادي حتى في ظل تجربة التناوب حيث بقي التغيير يلامس فقط فضاء الرموز دون أن يخلخل قواعد اشتغال النسق الغير معتادة على وجود وزير أول قوي وبصلاحيات هامة.
وضع يثير أسئلة مدى إمكانية قيادة وزير أول تكنقراطي لمسلسل الانتقال الديمقراطي ؟ والغاية من خطاب تأهيل الأحزاب ومطالبتها ببرامج سياسية تنافسية في فضاء سياسي لايخولها امكانية ترجمتها من خلال الاشراف على مؤسسة الوزير الأول ؟ وعن جدوى اللعبة الانتخابية ذات الرهانات السياسية المحدودة حيث السقف يكمن في الوصول الى المؤسسة التشريعية دون قدرة هذه الأخيرة على احتكار انبثاق مؤسسة الوزير الأول بشرعية انتخابية وحكومة منسجمة تعكس طبيعة الخريطـــــــة الانتخابية وإرادة الناخبين ؟
إن حدث تعيين السيد إدريس جطو كوزير أول وطبيعة الردود التي أثارها خصوصا بين أحزاب الكتلة، قد أدى الى عودة النقاش حول هذه المؤسسة الى المجال العمومي خصوصا بعد جمود مطلب التعديل الدستوري في أعقاب استفتاء 1996، حيث اختزلت اشكالية الوزير الأول في مستوى حياده وتم ربطه بسابقة الوزير الأول لتجربة التناوب واعتبارها عرفا دستوريا مؤسسا وإن بوجود نص دستوري واضح لا يقيد صلاحيات المؤسسة الملكية في اختيار الوزير الأول، وهو مستوى لتشخيص أزمة المؤسسة لا ينفذ لقواعد اشتغالها ولا يمتد حتى الى التفكير الذي حكم المذكرات الدستورية التي كانت تروم الى تأسيس دستوري لمجال الوزير الأول.
فميلاد نسق دستوري لتفعيل مؤسسة الوزير الأول يعني إعادة النظر في الفكرة المؤسسة للوثيقة الدستورية بالمغرب عبر إدماج اللعبة الانتخابية في المسلسل الدستوري واستبدال " شرعية التعيـين " ب " شرعية الانتخاب " ومنح المؤسسة التشريعية مكنات منح شهادة الميلاد للحكومة من خلال مؤسسة الوزير الاول مما يحيل على هندسة جديدة للنسق الدستوري تمس مستويات السلطتين التشريعية والتنفيذية ومكانة الفاعل الحزبي وستؤدي الى إدخال مكنات جديدة لاشتغال النسق الدستوري كالمسؤولية السياسية للحكومة والمحاسبة الدورية للقاعدة الانتخابية.
إن المسؤولية الدستورية للوزير الأول تقضي توفره على صلاحيات واضحة وآليات للفعل تمكنه من الإشراف على العمل الحكومي واستحضار اكراهات الخريطة الانتخابية والبحث من داخلها على صيغ التعايش والانسجام الحكوميين خارج الضمانات الغير المؤسساتية التي اشتغلت بها الحكومات السابقة، فسؤال المؤسسة يحيل من داخل فرضية حكومة الوزير الأول على:
* أولا: مأسسة التنصيب: بتحويل علاقة ملك / وزير أول من علاقة شخصية الى علاقة شكلانية مؤسساتية حيث يستحضر التنصيب نتائج العملية الانتخابية والخريطة السياسية البرلمانية وطبيعة الأقطاب المشكلة له، ومن تم تعبير منصب الوزير الأول عن اختيار " الإرادة العامة " المجسد في المؤسسة التشريعية.
* ثانيا: مأسسة الاختصاص: عبر توزيع داخلي للصلاحيات التنفيدية بين ملك/وزير أول يمكن من ميلاد فضاء دستوري خاص بالوزير الاول ويسمح بقيادة ثنائية للسلطة التنفيذية بحضور دائم لفكرة تعايش الأشخاص، الشرعيات، الصلاحيات الدستورية....
- البرلمان وممارسة التمثيل السياسي للأمة:
إن الإقرار بأزمة التمثيل البرلماني تقودنا الى البحث عن تمثلاتها، وهل تعود الى القواعد الدستورية التي تجعل البرلمان ممثلا ثانيا للأمة أم الى شرعية التمثيل بفعل لازمة عدم مصداقية ونزاهة المسلسلات الانتخابية وضعف التعاقد الانتخابي بين الممثل والممثل أم الى كون النسق الدستوري المغربي في جوهره غير قابل بالاشتغال وفــق التمثيل البرلماني الدوري بفعل مركزية وإجماعية التمثيـل فـي مستوى المؤسسة الملكية؟؟.
فالأطراف السياسية تستحضر هذه المستويات من الأزمة ومع ذلك لم تعد النظر في المفهوم المغربي للتمثيل الذي لا يقبل بإطار المؤسسة التشريعية ويتجلى ذلك في التوافق على دسترة مؤسسات للتمثيل الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاحتجاج على مسلسل تجاوز البرلمان بالبحث عن التمثيل في إطارات اللجن الملكية والمجالس الاستشارية التي زكت المسكوت عنه في اللعبة البرلمانية والمجسد في كون المؤسسة التشريعية ليست مجالا لممارسة السلطة مما جعلها تمارس " تمثيلية رمزية " والتعبير عن " وهم الحراك " و " التغيير الاجتماعي "، ولعل هذه القناعة قد امتدت الى القاعدة المحكومة التي أصبحت تؤطر خارج القنوات التقليدية للتمثيل ذات النهاية البرلمانية.
إن سؤال التمثيل السياسي للأمة يعني إدخال بعد المواطن في المعادلة الدستورية وفق آلية الانتخاب المحددة للتعاقد الاجتماعي مابين أطراف التمثيل والقواعد الاجتماعية مما سيجعل مسألة التمثيل السياسي محسومة ليس فقط على مستوى قواعد الاشتغال ولكن أيضا عبر البحث عن قواعد اجتماعية للمؤسسات الدستورية التي يجب أن تقطع مع صورة كونها بنية فوقية فاقدة لأي امتداد اجتماعي وبعيدة عن طبيعة الحراك وصراع المشاريع والسوق الانتخابية للفعل الحزبي.
فالبرلمان في بحثه عن مصالحة مع " الإرادة العامة " في حاجة الى سقف دستوري واضح خارج امتداد المؤسسة الملكية والى آليات قانونية كفيلة بممارسة الإشراف على الحقل السياسي الرسمي عبر توسيع مكناته في التشريع والرقابة وقبول الأطراف بالاشتغال عبر قناته بتدعيم شرعيته الانتخابية وجعل فضائه مجالا ورهانا للصراع السياسي.

- السلطة القضائية وتفعيل معادلة استقلال القضاء:
تعبر الوثيقة الدستوريةعن ضعف مأسسة وارتباط جهاز القضاء بالنص الدستوري الخالي من تحديد دقيق للروابط بين القضاء والنظام السياسي وطبيعة العلاقة الفعلية مع باقي سلط الدولة وأيضا للوظيفة الموكولة مؤسساتيا لهذا الجهاز، مما يجعل من الصعوبة تحديد الأطراف والمؤسسات الدستورية المشرفة على هندسة السياسة القضائية وتحديد الأسس الدستورية الضامنة لاستقلال العدالة.
إن الدستور المغربي لا يتوفر على باب خاص للعدالة ولا يحدد الدلالات الدستورية لاستقلال القضاء ولايرسم للقاضي وظيفة دستورية صريحة على عكس تجارب دستورية مقارنة، حيث نجد الفصل 66 من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية ينص على " أن جهاز القضاء هو حارس الحرية الفردية " في حين يرسم الدستور الإيطالي حدودا لتدخل السلطة التنفيدية في عمل السلطة القضائية فطبقا للفصل 110 فإن " اختصاص وزارة العـدل يبقى محـدودا في تنظيـم وقيادة المصـالح التابعـة للعـدالة ".
غياب أية مقاربة مؤسساتية لتفعيل معادلة استقلال القضاء, قد جعلت خطاب الإصلاح محصورا في مقاربات تقنية مرتبطة بتأهيل الموارد البشرية والمساطير والإجراءات وتسريع الولوج الى العدالة, كما تم استبعاد من مجال تدخل القاضي ميادين عدالة الانتقال وحماية الحقوق والحريات وبناء المؤسسات الديمقراطية مما جعل الأحكام غير قادرة على تسريب فكرة الحقوق والحريات وتحويل فضاء المحاكم الى منتديات للنقاش السياسي العمومي، فتزايد الاهتمام بإصلاح الجهاز القضائي لم يواكبه احتلال هذا الأخير لمواقع جديدة في الفعل السياسي ولم يستطع القاضي أن يرسم صورة تتجاوز علاقة قاضي / متقاضي بالانتقال الى ممارس لوظيفتي التمثيل والتداول ومنافسة النسق التقليدي للتمثيل القائم على محدد الانتخاب بالظهور بمظهر حارس حقوق الأفراد والشرعية القانونية والهوية الديمقراطية للدولة.
إن تدبير أسئلة الإصلاح القضائي لا تتم في المجال العمومي بل هي مرتبطة بالإكراهات الدولية وبرأس التنظيم السياسي، فتيمة القضاء لم تؤطر بفضاء الـمناظـرات والمـواثيـق الـوطنيـة مـن أجـل إبـــرام " ميثاق من أجل العدالة ", ولم تسمح صورة القضاء التقليدي المرتبطة بالإمام من ميلاد تدبير يروم الى إدماج المتدخلين لتقديم القضاء ليس فقط كدعامة لاقتصاد السوق ولكن أيضا لبناء دولة القانون.
فآلية فصل السلط وتفعيل مبدأ استقلال القضاء، تصطدم بغياب الحدود بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وعدم تدبير جهاز القضاء وفق تقنية القوانين التنظيمية وبتقوية دور وزير العدل حيث وضع قضاة النيابـة العـامة تحت سلطته وامتلاكه لآلية الانتداب وتحريكه لمسطرة التـأديب وتتبعه لثروة القضاة وعائلاتهم, إضافة الى أن البنية القانونية المؤطرة لاشتغال القاضي المغربي تبعده عن فضاء الحقوق والحريات حيث المنع يشمل النشاط السياسي وكل موقف يكتسي صبغة سياسية وتأسيس نقابات مهنية أو الانتماء اليها في وقت يطالب فيه القاضي المغربي وعبر واجهات القضاء الإداري والتجاري من ضمان الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية.
إن البنية القانونية المؤطرة لعمل القاضي وطبيعة تكوينه وارتباطه بمؤسسة إمارة المؤمنين عبر تمثلات الظهير، إصدار الأحكام باسم جلالة الملك ورئاسته لمؤسسة المجلس الأعلى للقضاء ستجعل القاضي المغربي لايستحضر النقاشات الدائرة في المجال العمومي مما جعل تأثيره كفاعل في الفضاء السياسي ضعيفا، فتغيير البناء التنظيمي لجهاز القضاء بالانتقال الى القضاء الإداري والتجاري لم يخلخل الفكرة التقليدية لاشتغال القاضي المغربي والدخول في مشاريع لبناء دولة القانون / المواطنة / الانتقال الديمقراطي عبر الأحكام القضائية الحاملة لتأويلات جديدة تنطلق من فكرتي الحق والقانون وتعيد قراءة الوثيقة الدستورية لتفعيل استقلال القضاء في مواجهة تحكمية السلطة التنفيذية.
لحظة الانتقال الديمقراطي تفترض القطع مع الوظائف التقليدية للقضاء المغربي وتأديته وظائف متمثلة في تأويل الوثيقة الدستورية في اتجاه بناء صك الحقوق وتأهيل المقاولة وارساء علاقة جديدة بين المواطن والإدارة خارج فكرة الإدعان، وظائف بسقف قانوني ومؤسساتي قائم على مبدأ استقلالية القضاء وعبر هندسة دستورية كابحة لتدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء وتحديد قانوني لوظيفة القضاء والقاضي داخل النسق الدستوري العام
إن الهندسة الدستورية للسلطة القضائية في الوثيقة الدستورية للإنتقال الديمقراطي تمر عبر الرقي بالقضاء من مستوى الجهاز الى سلطة وإفراد باب للعدالة، وتحديد علاقاته مع باقي السلط سواء في الصك الدستوري وعبر آلية القوانين التنظيمية المستوجبة لمراقبة قبلية للمجلس الدستوري وتحديد الوظائف الدستورية للسلطة القضائية بجعلها ضامنة للحقوق والحريات ومالكة لسلطتي التأويل والتحكيم القضائيين والانتقال من المراقبة السياسية للنســق الدستوري الى "قضائية السياسة" و دسترة مكانة القاضي وجعله فاعلا في النسق الدستوري وتقوية الطابع الانتخابـي لهيآتـه التمثيليـة التي يجب أن تنفتـح على المكونـات المتدخلـة فـي العمليـة القضائيـة.
3- دستور دولة الجهات:
لقد جعلت الدولة المغربية من المركزية مبدأ لاشتغالها ومن المنطق الوحدوي الأساس للبحث عن الاستقرار السياسي والمؤسساتي، فالمجال الترابي مدمج في مقاربة لوحدة السلطة في انسجام مع نموذج الدولة التدخلية الحائزة لوحدها على ميكانزمات السلطة والتي لا تسمح بتشكيل فضاءات مجالية مضادة خارج وصاية المركز.
الا أن عدم قدرة الدولة على الاستجابة للمطالب الجديدة للمجال المحلي وفشـل نموذج التنمية من أعلـــى جعلهـــــتـا تبلور هندسة ترابية عبر سياسات جماعية ( 1960-1977) واقليمية (1963- 1977) وجهوية (1971 – 1984 – 1992 - 1996) في غياب لفكرة سياسية واضحة لاشتغال البنيات تحت دولتية، فالسياسات العمومية المحلية تنطلق من إطارات مرجعية متباينة (اللاتمركز، اللامركزية، الجهوية) مما أدى الى تشكيل مستويات إدارية عدة في إطار منطق للتسويق المؤسساتي اكثر منه البحث عن إعادة الدينامية للحياة المحلية وتنمية ثقافة القرب.
كما أن الانتقال وعبر الترسانة القانونية المتمثلة في ظهير 1971، ظهير 1976 الى إرساء المؤسسات المحلية لم يؤدي الى اقتسام السلطة بين الدولة والمجتمع، فالشرعية التقليدية للإدارة الترابية تتعايش عبر نماذج البنيات الاقليمية والعمالاتية مع ممثلي الديمقراطية المحلية، بل وتحمل النصوص القانونية لاتوازنا مؤسساتيا جوهريا بين ممثلي الدولة والنخب المنتخبة حيث عمل المركز من خلالها (أي النصوص) على تصدير أدواته في الضبط والمراقبة الى المحيط.
بمعنى أن خطاطة المركزية والجهوية، لم تجعل التراب الوطني فضاءا للحرية ولكن رهانا للسلطة التي عملت على نقل أزمة الحكم الى المستوى المحلي لتجنيب بروز توثرات اجتماعية حاملة لفرضية تهديد التوازن العام للنظام, فاللامركزية لم تؤدي الى مراجعة السلطة ولكن فقط الى تغيير آليات وقنوات تدخل السلطة التي أصبحت تمارس ليس عبر المركز ولكن من خلال ممثليه على المستوى المحلي.
إن فكرتي الوحدة والتوافق قد أطرت عملية الانفتاح على الفضاء المحلي، فالنسق الترابي قد أخرج من مجال القانون وارتبط برئيس الدولة عبر تقنية الظهير، واتبعت سياسة لا تسييس النقاش حول الجماعات المحلية بابعاده عن المؤسسة التشريعية وارتباطه بإطار المناظرات الوطنية، كما بحثت الأطراف عن توافق موسع خارج القنوات الدستورية لاخراج قانون الجهات والقانون الجماعي الجديد، فالمجال الترابي المغربي يتميز بلاتسييس الرهانات المحلية وبغموض قواعد اللعبة السياسية المحلية.
كما أن التقطيع الترابي قد حركته هواجس الامن والضبط بدل التشارك والقرب مما أدى الى فشله في اقتراح فضاء للتنمية المحلية ومشروع جديد للمجتمع بسبب غياب الانسجام بين مكوناته وانطلاقه من رؤية تكنقراطية مكتبية لم تستحضر الأبعاد الاجتماعية والثقافية للمجال الترابي ودورها في انجاح مسلسل التنمية.
إن مرور أكثر من ثلاثة عقود على إرساء البنيات المحلية والتفكير في المحلي من خلال مقاربات المركزية والجهوية، قد أدى الى:
* أولا: فشل تشكيل فضاءات محلية للسلطة وعدم السماح بميلاد سلطة محلية منافسة للمركز بسبب غياب مقاربة توزيعية للسلطة بين المركز والمحيط، فالمنطق الوحدوي للدولة يستمر في الاشتغال مع نموذج إداري وترابي غير منسجم مع الوضع الجديد للدولة المغربية المتميز باللالتزام.
* ثانيا: ضعف آليات التمثيل والانتخاب وحضور ميكانزمات الشخصنة والتسلسلية ومركزة السلطة بيد ممثلي المركز، مما جعل المؤسسات المحلية غير قادرة على انتاج التغيير ولو في تصورات المواطن الغير قادرة على ملامسة التمييز بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة.
* ثالثا:عدم قدرة المحلي على إحداث قطيعة مع الشرعية التقليدية للإدارة الترابية، بسبب امتداد ثقافة المركز على المحيط والنظر لهذا الأخير باعتباره فضاءا لمكافأة الأعيان المحليين والسماح بمنافسة محدودة بين الأحزاب وفق انتخابات تقدم على أنها لاسياسية.
وبالتالي، فهل هذه الخلاصات يمكن أن تسمح بميلاد الزوج دولة / جهة يفترض إعماله مسلسلا للتجديد يمس جميع البنيات ؟ أم أن ضبط اللعبة المحلية ومنح قواعد قانونية وآليات لسلطة الوصاية سيحجب فكرة " الاستقلال الجهوي " المشكلة للمبدأ الأساسي للنسق الجهوي ؟
فعبر معادلة دستور - الانتقال ديمقراطي، ظهرت آلية الجهوية كنتاج لثلاث مسلسلات سياسيـة، كمسوغ لاحتجاج المطالب القومية أو الترابية وأساسا لتشكيل حدود وطنية مقبولة وأمة قائمة على أساس التعددية، و كآلية جسدت توافق اطراف الانتقال على إفلاس نمط تدبير ترابي انهار مع انهيار التنظيم القديم، حيث الجهوية أصبحت مرادفة لقواعد اللعبة السياسية والإطارات المؤسساتية لاشتغال دولة التدعيم الديمقراطي، و كقاعدة دستورية للتغيير، قدمت حلا وسطا بين مطالب المركز والنزعات الاستقلالية للجماعات الترابية.
إن هذه النماذج الثلاث، تبقى غير قادرة على تأطير فكرة الجهوية بالصيغة التي تقدم بها عبر التجربة المغربية وإن كانت تستحضر ضمنا أسئلة الانتقال الديمقراطي والتدبير الديمقراطي المحلي، فالجهوية تطرح في إطار معادلة سياسية وطنية لاتروم فقط الى إعادة النظر في بنية المجال الترابي للدولة وأنماط التدبير الإداري والسياسي المحلي ولكن كحل لمشكل الصحراء واستجابة للدعوات الأممية التي تطلب من أطراف النزاع تقديم مقترحات ملموسة أمام أزمة خيار التسوية المؤسسة على حل الاستفتاء وطول أمد فترة اللاحرب واللاسلم والعبء المالي لتدبيرها.
فآلية الجهوية يجب أن تتحول الى فكرة عامة لتدبير المجال الترابي عبر انتقال شكل الدولة من الطابع الموحد الى دولة الجهات ويراعى في التقسيم الترابي ليس فقط المنطلقات الاقتصادية بل أيضا العوامل التاريخية والثقافية واللغوية، مع منح الوحدات الجهوية إمكانية " الاستقلال الذاتي " الذي يخول لها التوفر على مؤسسات خاصة قادرة ومن منطلق " الخصوصية " على الاستجابة لمطالب المحلي.
على سبيل الختم:
لقد دخل النظام السياسي المغربي مرحلة جديدة تتميز بتعددية الفاعلين وتغيير في طبيعة تركيبة الثقافة السياسية وتزايد المطالب الديمقراطية والتحديثية كمدخلات في حاجة الى أجوبة مؤسساتية وقانونية، إن الولوج الى هذه المرحلة قد تم في غياب تجديد قواعد العمل السياسي التي بقيت جامدة منذ التوافق الانتقالي على دستور 1996 الحامل لرهان انجاح تجربة التناوب التوافقي.
إن الاتفاق الضمني على الابقاء على محتوى اللعبة السياسية والدستورية وإبعادها عن يد التعديل والتغيير قد جعل الأطراف السياسية تعيش غموضا على مستوى بلورة رؤيتها لشكل التقنين وطبيعة القواعد القادرة على تأطير علاقاتها والاحتكام الى مقتضياتها، فالإقرار بأزمة القواعد الحالية واستبدالها بالاشتغال وفق تأويلات سابقة وبفضاءات ايديولوجية يحكمها التوافق والتراضي والبحث عن منشآت للحوار خارج معادلة الديمقراطية، يجعلنا نتسائل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، هل تعود الى اعتياد النسق السياسي المغربي على الاشتغال خارج دائرة الشكلانية القانونية وبالتالي القبول بانتقال الأزمة من مستوى الخلل العادي الى مستوى بنيوي ؟ أم الى احساس الأطراف بلا جدوى الاحتكام الى قواعد مكتوبة واضحة وتفضيل المقاربة الشخصانية والثيوقراطية لتأطير علاقاتها برأس التنظيم السياسي ؟
فهذا الاتفاق المستمر المبعد للنص الدستوري على تنظيم الحياة السياسية المغربية يصطدم بمحور للصراع خارج دائرة التوافق الايديولوجي الفوقي، مشكلا من مكونات المجتمع المدني التي وإن في غياب مستوى من التصور الواضح لمشروع علاقة جديدة بين السلطة والفاعلين وبين المجتمع السياسي والمدني، فإنها تعمل على خلخلة الأسس الدستورية للبنية القانونية تحت دستورية عبر مطالب تنفذ الى الفكرة التي قامت عليها الوثيقة الدستورية بالمغرب بنزع طابع " الخصوصية " والايمان بعالمية الديمقراطية.
سؤال الانتقال الديمقراطي ومن خلاله المدخل الدستوري يتعثر بسبب ابتعاد الاطراف في بحثها عن شرعية مكتسبة عن الخطاطة القانونية والديمقراطية وفي عدم احساسها باكراهات تقودها للشروع في مسلسل دمقرطة حقيقية، إن توظيف السلطات التقليدية ( التعيين ) وماتمنحه السلطة الاقتصادية والقدرة على التكيف مع الخطابات الجديدة دون إحداث تغييرات كبرى في أسس النظام والتمطيط الجيد لقضايا ترابية، اقتصادية واجتماعية وجعلها خارج المدخل الديمقراطي، يجعل المؤسسة الملكية لاتظهر كفاعل يحاول دمقرطة النظام، فالاحساس بالقوة بعد لحظة الاستخلاف وهشاشة وضع النخب الحزبيــة وغياب مشاريـــع منافســـة لـ "المشروع الملكي" تجعـل نظام ما بعد الاستخلاف أقـرب الى دور " أمير المؤمنــين " والى مرجعيــة "الفكر الحسني" أكثر من النموذج "الاسباني للانتقال" الذي سكن متخيل النخبة السياسية بعد لحظة الانتقال السلمي للسلطة.

فالمؤسسة الملكية سيجت التغيير في مستويات لا تنفذ الى الشروع في مسلسل الانتقال الديمقراطي والتفكير في قواعد قانونية تسمح بميلاد تنظيم سياسي جديد عبر مايلي:
أولا: بالابقاء على الميثاق الضمني الموروث كسقف للعلاقة القائمة بين الملكية وأحزاب الحركة الوطنية وهوميثاق للجمود وليس للتغيير، فانتهاء الزمن السياسي للتناوب وتحقيق الانتقال السلمي للسلطة لم يستتبع بإعادة التفكير في بلورة ميثاق جديد بل بالاحتفاظ بذات النخب في فضاء السلطة التنفيدية الى جانب التكنقراط والاحزاب اليمينية وبانتخابات لم تتغير جوهريا قواعد إعمالها وببرنامج قاصر على تدبير المعضلات الاقتصادية والاجتماعية.
ثانيا: الاستمرار في احتواء المطالب الحقوقية والقانونية بمرجعية الفصل 19، فصفة أمير المؤمنين مكنت الملك من الظهور كحكم حول مكانة المقدس داخل مدونة الأسرة وكمعبأ لمصالحة المغرب مع مرجعيته وثقافته الأمازيغية وكضامن لتجاوز سنوات الرصاص عبر صيغة لاتسمح بالاقرار بالحقيقية / العدالة / المصالحة.
ثالثا: الاحتفاظ بالتأويلات الدستورية السابقة وبالقراءة الملكية والتقليدانية للوثيقة الدستورية التي تجعل من الوزير الاول وزيرا محايدا والبرلمان فضاء غير مفضل لممارسة السلطة والسلطة التنفيذية مقسمة الى تدبيرية وسياسية.
إن هذا الاستقرار على مستوى آليات تدخل المؤسسة الملكية قد واكبه عدم تغيير وسكون بل واختفـــاء لمشاريـــع مواثيق سياسية قادرة على تأطير فعـــل التغيير السياسي، فأحـزاب الحركة الوطنية تعمل على تمطيـــط مدخـل "التعاقد التاريخي" في داخـل فضـاء التوافـق (قضيـة نيروبي، الانسحاب من البرلمان، اضراب 1990) او الـممهدة لإبرام مواثيـــق جــديــدة (الـمذكـرات الدستوريـة)، إن استبدال إطـار "التفـاوض " بـ"التشاور" قد جعل هذه الاحزاب مندمجة في فضاء سياسي استطاع توظيفها ظاهريا ( معارضة – أغلبية ) أو ضمنيا ( الاستخلاف – تجديد الشرعي) دون الاستجابة لمطالبها الاصلاحية السياسية والدستورية ودون منحها درجة الشريك – الفاعل في نسق سياسي يشتغل وفق ثابت مركزية القرار وأحاديته.
ومن تم فإن السؤال الذي يبقى مفتوحا، هو مدى قدرة الأطراف الزمنية على تجنب إكراه الدمقرطــة ؟ وعن استمرار استعداد البنيات التقليدية الدستورية تقديم أجوبة لمطالب تروم الى تأسيس دولة القانون، المواطنة، المؤسسات...؟ وهل مطلب التقنين القانوني والدستوري للنظام الديمقراطي وفي غياب نخبة سياسية حاملة له سيمر الى الفضاءات الاقتصادية والمدنية ؟ بمعنى هل رهان التحديث السياسي والدستوري سيكون نتاجا لدولة قانون اقتصادي ولمجتمع مدني حداثي وديمقراطي ؟، إن هذا السيناريو يطرح بسبب أزمة التنظيمات الحزبية وإن كانت مسلسلات الانتقال الديمقراطي كقاعدة تقودها الاحزاب السياسية فإن جوهر مشاريع الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني والتي تروم تباعا الى تأسيس دولة القانون الاقتصادي على أنقاض دولة الريع والمجتمع الديمقراطي بدلا عن مجتمع الرعية لايمكن أن يتعايشا مع نسق سياسي مغلق ومؤطر بقانون دستوري لشخصانية السلطة.
فالوثيقة الدستورية للإنتقال الديمقراطي – كما طرحناها في هذه الدراسة – هي الوثيقة الحاملة لتغيير على مستوى الفكرة الدستورية والثقافة الدستورية السائدة لدى الفاعلين في الحقل السياسي المغربي، إنها وثيقة وعبر لحظة وضعها قادرة على:
تأطير الحوار بين الفاعلين للوصول الى اتفاق حول القواعد المكتوبة للنسق السياسي.
إدماج الفرد عبر صيغ للحقوق والحريات في بناء قانوني ظل يؤطر فقط مستوى السلطة.
- ميلاد نسق بهندسة دستورية مبنية على " الدستورانية " كفكرة وكآليات.
إن وثيقة بتوافق صريح حول قواعدها وبمرجعية نابذة للخصوصية منفتحة على تجارب الانتقال الدستوري المقارن وبيانات الحقوق والحريات وبمحددات الدستورانية كفصل السلط، سيادة الأمة والتمثيل السياسي...هي الوحيدة القادرة على إحداث تغيير في آليات اشتغال النظام السياسي المغربي، فالتجديد المؤسساتي سيقود الى احتكام الاطراف الى الشكلانية القانونية وإعادة طرح الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية من داخل حقل السياسة والمؤسسات، فالابتعاد عن هذا المستوى من الرهان يعني الاستمرار في الابتعاد عن سياق تجارب الموجة الثالثة للدمقرطة وتدبير توصيات المؤسسات المالية المانحة وإكراهات الشراكة الاقتصادية خارج امتداداتها السياسية والمؤسساتية، وضع استثنائي وربما يقود الى تحريك عملية الولوج في مسلسل للدمقرطة عبر استحضار الضغوطات الخارجية والجهوية أمام القدرة التنظيمية والضبطية على احتواء المطالب الوطنية.

*باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
aterguine@yahoo.fr

Aucun commentaire: