samedi 1 septembre 2007

اسئلة مغرب الانتقال


اسئلة مغرب الانتقال
قريباااااااااااااااا

السلطــــــة والشرعية في دار الإســــلام



مصطفى عنترة

صدر للدكتور محمد اتركين كتابا تحت عنوان "السلطة والشرعية في دار الإسلام: دراسة لآليات وقواعد القانون العام الاسلامي". وقام بتقديمه الدكتور عبد اللطيف أكنوش أستاذ العلوم السياسية وأحد الوجوه المعروفة داخل الحقل الأكاديمي.
ويقع الكتاب الذي طبع بمطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء في 136 صفحة من الحجم المتوسط، وأخرج لوحة غلافه الفنان محمد اوينايت.
ويتوزع كتاب الدكتور اتركين على ثلاثة فصول: الأول حول الإمامة والإمام، الثاني حول شرعية الإمام، والثالث حول الإمامة بين "الخلاف" و"الملك"، فضلا عن فصل تمهيدي حول القانون العام الإسلامي وملحق يتضمن نصوص ووثائق هامة (نص وثيقة بيعة وادي الذهب في 14 غشت 1979، فتوى لمحمد عبد الحي الكتاني..) من شأنها أن تفيد الباحث الجامعي والدارس والمهتم بهذا الموضوع.
ويقدم كتاب الدكتور اتركين دراسة هامة حول القانون العام الاسلامي بالرغم من كون المؤلف ينتمي إلى حقل علم السياسة والقانون الدستوري وليس حقل علم دراسة السياسة الشرعية.
ونقرأ في تقديم الدكتــور أكنوش "ومهما يكن من أمر كتاب "السلطة والشرعية في دار الاسلام: دراسة لاليات وقواعد القانون العام الاسلامي"، فإن مؤلفه فتح الباب على مصراعيه أمام نقاش أتمنى أن يكون مفيدا للجيل الحالي من الباحثين بكليات الحقوق في بلدنا. وأعتقد جازما أن القارئ سواء كان منتميا للحقل الأكاديمي أو الحقل السياسي سوف يجد فيه ضالته، وسيكتشف عبر فقراته ما كان يكتفي بسماعه على ألسن الجهلة والمتطاولين على حقل علم السياسة وتاريخ القانون الدستوري المقارن فهي بادرة طيبة من الدكتور محمد أتركين أتمنى أن تليها مبادرات أخرى تميط اللثام عن جزء هام من ثراثنا السياسي والدستوري بما فيه ذلك الذي ودعناه منذ أواخر القرن الماضي...".
ويذكر أن الدكتور أتركين يشغل استاذا بالكلية المتعددة الاختصاصات بالناظور، حيث يدرس مادة القانون العام الإسلامي.


الإسم الدكتور محمد أتركين وصف مختصر أستاذ التعليم العالي بالكلية المتعددة التخصصات بالناضور. تاريخ الازدياد : 13/02/1975 بأكادير المؤهلات العلمية : - الإجازة في العلوم السياسية . - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في العلوم السياسية والقانون الدستوري . - الدكتوراه في العلوم السياسية . الأطروحات الجامعية : - " التوافق السياسي بالمغرب " رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا . - " الانتقال الديمقراطي والدستور - قراءة في فرضية تأسيس القانون الدستوري للانتقال الديمقراطي " .أطروحة لنيل الدكتوراه . - رئيس هيأة تحرير مجلة " وجهة نظر " . - كاتب بموقع شفاف الشرق . - خبير في دساتير الانتقال الديمقراطي ومتخصص في قضايا تدبير التعدد الثقافي واللغوي بشمال افريقيا خصوصا ما يتعلق ب القضية الأمازيغية
aterguine@yahoo.fr البريد اللكتورني


















التعاقد السياسي بالمغرب ومشروع دستور المواطنة
– قراءة في فرضية الانتقال من دولة الرعايا الى دولة المواطنين –
محمد اتركين



لماذا صيغة التعاقد السياسي ؟
وماهي الفكرة السياسية لدستور المواطنة ؟
وماذا نعني بدولة المواطنة ؟

تحيل آلية التعاقد السياسي الى وجود إرادة سياسية لدى أطراف اللعبة للانتقال، وفق تسوية سياسية تتخذ شكل الميثاق، الى تنظيم سياسي جديد عبر الإقرار بدستور يقنّن قواعد اللعبة المتوافق حولها، في حين يجيب دستور المواطنة على "تيمات" (= أطروحات) التعاقد السياسي، والحد الأدنى للتوافق، وعلى الفكرة التي حكمت التسوية السياسية للحظة الانتقال. إنه دستور غير مرتبط بلحظة تأسيسه ولكنه حامل لمشروع إرساء دولة المواطنة عبر التزامات الأطراف باحترام حقوق الإنسان وإيجاد مؤسسات لحمايتها.
- فهل ستكون صيغة التعاقد السياسي المدخل لتحديث المؤسسات بالمغرب؟
- وهل ستسمح بإمكانية الانتقال من صك للمنحة الى وثيقة للحقوق والحريات؟
- وكيف ستستجيب الوثيقة الدستورية، على مستوى هندستها، لمتطلبات دولة المواطنة؟

دساتير المواطنة والانتقال من دساتير فصل السلط الى دساتير صك الحقوق

دساتير المواطنة هي وثائق تجاوزت كتابتها إشكالية الدستورانية التقليدية المرتبطة بهاجس الاستقرار ومنح الشرعية لتدخلات الفاعلين السياسيين. إنها تعبّر ليس فقط عن لحظة ميلاد تنظيم سياسي جديد، ولكن أيضا عن ميلاد القانون الدستوري. في ما يتعلق بحقوق الإنسان زمنياَ، ارتبطت دساتير المواطنة بلحظة الانتقال الديمقراطي أي المرور من تنظيم مغلق على المفهوم الدولتي للقانون، واحتكار التعبير عن الإرادة العامة، إلى تنظيم يُنعَت بالحامل لديمقراطية مستمرة تمنح للمواطن إمكانية المراقبة المستمرة للنسق السياسي خارج الزمن الانتخابي. خصوصية هذه الدساتير بحكم ارتباطها بلحظة سياسية مؤطرة بفكرة القطيعة عن طريق التفاوض، ستجعل منها بياناتٍ للحقوق أكثر منها مجرد وثائق سياسية وُضعت لضبط العلاقة بين السلطات، حيث تم من خلالها إعادة اكتشاف البعد الاجتماعي للوثيقة الدستورية من "شرعة حقوق الإنسان والمواطن" الفرنسية. فلم تعد الأولوية لفكرة 16 قلب قراءة الفصل، أي فصل السلطات، ولكن لمبدأ حقوق الإنسان والضمانات المخولة لحمايتها، وتأسيس مجال عمومي دستوري يفتح إمكانية التواصل بين الأفراد ومؤسسات السلطة. فموجة دساتير المواطنة تضيف الى المعادلة التقليدية التنظيم/المواطنة وتجعله متحكما في المسلسل الدستوري وفي رسم جلّ حلقاته , إنها تنظر للدستور باعتباره لحظة سياسية للمصالحة مع الفرد. ويتمثل ذلك في تمرير الفكرة الدستورية للقاعدة المحكومة عبر إشراكها في وضع الدستور الذي يتجاوز دائرة التقنيين ليضم، عبر فضاءات المؤتمرات الوطنية والموائد المستديرة، كل المواطنين المهتمين بشؤون المدينة.
إن المؤسسات لم تعد لها الأولوية على مستوى الهندسة الدستورية. فبعد المبادئ والأحكام العامة، تُظهِرُ الحقوق والحريات المنتمية الى الأجيال الثلاثة للشرعة الدولية تأسيسَ الحق في الولوج الى العدالة الدستورية التي لم تعد تخاطب المؤسسات ولم يعد دورها محصورا في رسم الحدود بين السلطات وذلك من خلال وظيفة التأويل. حيث يظهر القاضي الدستوري كمدافع عن الحق والقانون وتحقيق المصالحة الوطنية ودسترة معالمها وتحويل الدستور الى وثيقة لمصالحة الدولة مع الفرد وضمان عدم تكرار انتكاسات الماضي. إن دستور المواطنة يظهر، بالتالي، كشاهد على عدالة الانتقال وكصك لحماية ذاكرة الانتقال.
لننتهي في بداية هذا التقديم الى الخلاصات التالية:
1- أن دستور المواطنة يعيد رسم مكانة الفرد داخل الهندسة الدستورية في مواجهة آليات الضبط والتنظيم.
2- أن دستور المواطنة عنوان الولوج لمرحلة الانتقال الديمقراطي والضامن لتدعيم بنياته ومؤسساته.
3- أن دستور المواطنة هو المدخل للمصالحة الوطنية في شقها الدستوري.

المركزية الدستورية ومعادلة الضبط والتنظيم


لقد ولج المغرب عهد الدسترة بمحددات ثلاث:
- غياب توافق بين أطراف اللعبة السياسية حول شكل التنظيم الجديد لمغرب ما بعد الاستقلال الحركة الوطنية في جزء كبير،
- إنحصار النقاش بين مكونات الحقل السياسي، والملك ضمن هذا الحقل، حول شكل وضع الدستور أي الإجابة على سؤال السيادة المتمثل في السلطة التأسيسية الأصلية
- انعدام أي تصور لفكرة الدستور لدى مكونات الحركة الوطنية والاكتفاء بالإحالة والتعلق بشعار الملكية الدستورية لسنة 1944 دون التمكن من ترجمته في مطالب دستورية ملموسة

هذه المحددات ستتحكم في النص الدستوري وستحوله الى وثيقة مغرقة في إشكالية السلطة وهاجس التنظيم دون الاهتمام ببعد المواطن وحقوق الإنسان. ويرجع ذلك
الى:
1- تفكير الدستورانيين الفرنسيين أمثال "دوفيرجيه" المبهورين بدستور الجمهورية الخامسة وبآليات العقلنة البرلمانية، والذين عملوا على نسخ مقتضياته والسفر بها خارج فرنسا مع تبيئتها لكي تتفق مع المحيط السياسي المغربي وتؤسس لنوع من الديغولية الوراثية بالإقرار بمؤسسة ولاية العهد داخل دستور 1962.

2- طبيعة الزمن السياسي المؤطر لوضع الوثيقة الدستورية، حيث النظر الى الدستور كنهاية للصراع بين مضمونين متباينين لمفهوم الملكية الدستورية. إذ أن وضع دستور 1962 كان إيذانا بنهاية حلم مؤسسة ملكية تسود ولاتحكم .
3- أن وضع الدستور بالنسبة للمؤسسة الملكية لم يكن بهدف إرساء نظام للكوابح، ولكن دسترة لشخصانية السلطة ولتفويض جزء من صلاحياتها الى منشآت دستورية. إنه ولوج الى عهد الدسترة في شقه الشكلي دون الالتزام بمضامينه المتمثلة في سمو الدستور، وفصل السلطات، والتمثيل السياسي . .

هذه الخصوصية الدستورية ستحول الدستور المغربي إلى دستور للسلطة والتنظيم عبر إفراد سبعة من أبوابه وحوالي 88 فصلاً لإشكالية السلطة وللعلاقة فيما بينهما.


حضور هاجس السلطة في عنونة الفصول المتميزة ببساطتها الملكية , البرلمان،الحكومة، القضاء،المحكمة العليا للعدل، الغرفة الدستورية للمجلس الأعلى
. أن مسألة التنظيم داخل النص الدستوري تبقى أحادية. إذ تنطلق من المؤسسة الملكية التي لا تدخل في علاقة مع الحكومة على افتراض أن الحكومة هي حكومة جلالة الملك وتقتصر علاقتها فقط مع البرلمان التي تتحول مع قراءة فصول الباب الخامس من علاقة مؤسستين دستوريتين الى علاقة منشأة مع موجه لعملها وطريقة اشتغالها.
. غياب المخاطب بعمل المؤسسات: هاجس السلطة المتحكم في هندسة الدستور أدى الى إرساء مركزية المرجعية والبنيات. فلم تتم الإحالة على بيانات الحقوق بالرغم من التأثر بدستور الجمهورية الخامسة
ونم بالمقابل تفضيل منطق الخصوصية بدسترة إمارة المؤمنين. كما أن التنصيص في الفصل الثامن على الجماعات المحلية لم يكن ليؤسس لمواطنة محلية ولكن فقط لمنح الشرعية لاعادة انتشار المركز عبر عبر وساطة مؤسسة العامل المحيط.

هذا الدستور الذي لم تستطع المراجعات المتكررة أن تبعد عنه شبح الأزمة لم يصمد أمام المطالب الحقوقية الداعية الى اكتشاف بُعد المواطنة داخل الوثيقة الدستورية من خلال
1- دعوات الجمعيات النسائية لاقرار مبدأ المساواة والنظر الى قانون الأسرة باعتباره جزءا من مجال القانون منفتح على توصيات المؤتمرات ومقتضيات الشرعة الدولية.
2- مطالب الحركة الثقافية الأمازيغية الداعية الى دسترة الحقوق اللغوية والانفتاح على الهوية الأمازيغية ونقل الدستور من حقل الأحادية الى مستوى التعددية.
3- بيانات الجمعيات الحقوقية المطالبة بتحقيق المصالحة الوطنية وتحويل الدستورالى لحظة تعاقد على ضمان عدم تكرار ما حدث.


الانفتاح المحتشم على العالمية وعدم تصدع نسق التقليدانية

أتت المراجعة الدستورية في سياق مختلف عن مراجعة 70-72، إذ أنها ارتبطت على المستوى الداخلي بظهور تقنية المذكرات كصيغة لتواصل جديد مع المؤسسة الملكية والمعبرة عن مطالب لإصلاح السياسي والدستوري. فهي تجيب في الوقت نفسه عن أزمة القنوات الدستورية الناتج عن وضع أحزاب الحركة الوطنية كأقلية داخل البرلمان إضافة الى محاولتها التشويش على السلطة التأسيسية المشتقة المحتكرة فعليا من طرف المؤسسة الملكية.
أن المراجعة تأتي في وقت تنامى فيه النقاش حول حقوق الإنسان وملف المعتقلين السياسيين ودخول "تيمات" (= أطروحات) الثقافة السياسية الجديدة ودولة القانون معجم خطاب
الفاعلين السياسيين.

وعلى المستوى الدولي فقد ارتبطت المراجعة زمنيا بربيع الشعوب الإفريقية وأخبار سقوط الأنظمة العسكرتارية وأفول نجم الأنظمة ذات الحزب الوحيد واكتشاف فقهاء
القانون الدستوري لموجة جديدة من الدساتير التي لم تستطع آليات الفقه الكلاسيكية تأطيرها حيث استبدال تقنية المجالس التأسيسية بنظام المؤتمرات الوطنية وانتقال النقاش حول طبيعة الأنظمة الى التفكير في الوضع الدستوري للمواطن. في خضم هذا النقاش ستبرز المراجعة الدستورية لسنة 1992 والتي عكست بشكل محتشم النقاش حول حقوق الإنسان وذلك من خلال:
1- التنصيص على البعد العالمي لحقوق الإنسان في صلب ديباجة الدستور -
2- الانتقال بالغرفة الدستورية الى مستوى مجلس دستوري
3- إرساء المجلس الاقتصادي والاجتماعي

فالتنصيص على عالمية حقوق الإنسان كان بشكل مبهم داخل الوثيقة الدستورية، إذ وضعت الى جانب صيغ فضفاضة من قبيل . . . . . . العمل في إطار المنظمات الدولية . . . . . العضو العامل النشيط في هذه المنظمات , مما جعل التنصيص على العالمية لا يبرز كالتزام واضح في تصدير الدستور الذي عمل على المزاوجة بين دين ولغة الدولة وانتمائهاالجغرافي والتزامها على المستوى الدولي. كما أن حصر التنصيص على مستوى الديباجة دون ترجمته على مستوى مواد الدستور كان يروم عدم زعزعة الفكرة التي حكمت الدستور منذ لحظة وضع هيكله الأصلي، إضافة الى أن اقتصار التنصيص على الديباجة قد خلق نقاشا مفتعلا حول مدى دستورية الديباجة وهل لها نفس القيمة الدستورية للنص الدستوري لسنة 1962.

إن التنصيص على العالمية بهذه الصيغة دون الإحالة على الالتزام بمقتضيات الشرعة الدولية في صلب الدستور، وفي رفع التحفظ عن مجموعة من مقتضياتها:
- توسيع دائرة الحقوق التي بقيت يتيمة وطيلة ثلاثين سنة في دائرة حرية التجول
- تأسيس الجمعيات . . الرأي والتعبير
- التنصيص على إمكانية الاستناد عل مقتضيات العالمية أثناء المطالبة بالحقوق أو في الدفاع عنها

يجعل من صيغة العالمية مجرد خطاب للاستهلاك الخارجي غير قادر على زعزعة نص تقليداني مشبع بفكرة الخصوصية. كما أن الارتقاء بالغرفة إلى مجلس دستوري لم يسمح بظهور قضاء دستوري قادر على تأويل الوثيقة الدستورية في اتجاه إرساء اجتهاد قضائي دستوري لحقوق الإنسان،وذلك بسبب الوظيفة الاستشارية الموكولة لهذا الجهاز حسب خطاب التنصيب وتحجيم ذوي الاختصاص (أطباء، قضاة، محامون) محامون من تركيبته.
- اقتصار عمل المجلس على رسم الخرائط الانتخابية والاشتغال بعقلية النماذج وقراءة الدستور قراءة نصية
- عدم السماح للمواطن بالولوج الى المجلس الدستوري الذي تحول الى فاعل موسمي مرتبط بلحظتي الانتخابات ومناقشة القوانين التنظيمية.

أما المجلس الاقتصادي والاجتماعي فلم ير النور بعد بالرغم من مرور عقد على دسترته حيث تحول الباب التاسع من الدستور الى باب ميت تتوقف شهادة إعادة إحيائه على وضع قانون تنظيمي واحتواء المطالب الحقوقية 19 آلية الفصل.

بعد الانتقال السلمي للسلطة وتحقق لحظة الاستخلاف لم تستطع الطبقة السياسية أن تستوعب الإشارات الضمنية لخطاب العرش المؤسس شكلا ومضمونا بالإحالة على الوثيقة الدستورية وخاصة لمؤسسة ولاية العهد , إذ لم يجد الملك الجديد من مبرر لوضعه سوى هذه المؤسسة بعيدا عن التمسك بطقس البيعة الذي ظلت صفحات جرائد الأحزاب الوطنية تعتبره الرباط المقدس بينها وبين المؤسسة الملكية، مما حذا بهذه الأخيرة الى التراجع عن هذا المنحى والعودة الى القراءة التقليدانية للدستور وهي القراءة التي ألفتها مسامع النخبة السياسية بل وتماهت معها ووظفتها في الكثير من المناسبات التي لم تسعفها القواعد الدستورية الحديثة في قلب الصراع بين التقليد والتحديث المخترق ليس فقط لتفكير النخبة السياسية ولكن أيضل لبنية المجتمع , استطاعت المؤسسة الملكية أن تظهر كحاملة لمشروع تحديثي لبنية "المخزن" عبر تأسيس المجال الخاص للملك وإظهاره كمواطن عادي من خلال الصورة التي أسست لفكرة جديدة في مخيال المواطن العادي، بعيدا عن البروتوكولات المخزنية العتيقة.

تأنيث النخبة المولوية وهيأة المستشارين في بنية مخزنية "باترمنيالية" (=أبوية) ترفض:
. منح وظيفة الاستشارة لعنصر المرأة المعتبر ناقص عقل ودين
. رسمية الزواج الملكي

هذه الملامح التحديثية جعلت العديد من الباحثين يقرّون بتواري صورة الملك أمير المؤمنين وتحويل الفصل 19 إلى بنود تشريفية تحيل فقط إلى العمق الديني للمغرب، إلا أن هذا الموقف سرعان ما يتوارى ليفسح المجال أمام وظيفة جديدة للفصل 19والمتمثلة في احتواء المطالب السياسية والدستورية لأطراف اللعبة السياسية. وأصبح الفصل 19 بالتالي حيثية لتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالمغرب، وديوان المظالم والمجلس الأعلى السمعي البصري بل وتشكيل اللجنة الملكية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية.

ففي مواجهة مطالب الحركة الثقافية الامازيغية المتمثلة أساسا في الاعتراف الدستوري باللغة الامازيغية وبحق الشعوب الأصلية وتأسيس معهد يعنى بالثقافة الأمازيغيــة (ميثاق "أكادير") أقدمت المؤسسة الملكية على إحداث المعهد الملكي للثقافة الامازيغية بخلفية الفصل 19من الدستور وأوكلت إليه مهام ووظفت) 3 اضطلعت بها سابقا مكونات الحركة الثقافية الأمازيغية ( المـادة سلطاتها في التعيين لتشكيل مجلس إدارة المعهد المادتين( الخامسة والسادسة ) دون الأخذ بعين الاعتبار لمبدأ التمثيل خصوصا وأن الأمر يتعلق ببعد للهوية المغربية ومكوّن من مكونات الأمة.

وللحؤول دون أي انحراف محتمل لعمل المعهد عمل الظهير على إحاطة المؤسسة بسلطات مضادة تنطلق بداية من طريقة تشكيله إذ تم تذويب النشطاء الامازيغيين بممثلين عن الحكومة والجامعات والأكاديميات , كما أن عدم استقلاليته المالية وتبعيته )سيجعل عمله وطريقة اشتغاله مرتبطة بمدى حاتمية الهبات الملكية لميزانية البلاط الملكي ( المادة 13). ولعل هذه المعطيات هي التي تحكمت في تشكيل البنية التنظيمية للمعهد إذ غابت في الأقسام الأربع المشكلة الهواجس التي حركت النخبة الثقافية الامازيغية، حيث استبدلت المطالب الدستورية والحقوقية بالوظائف الفولكلورية التي كانت موضوع خطاب نقدي من طرفها؟ كما أن قصر ممثلي الجمعيات الامازيغية على المهتمين بمجال اللسانيات والأدب عموما كان يستشرف قطع الطريق على المطالب ذات المنحى الحقوقي والسياسي وقصرها في جانب الاهتمام بالتراث وتحقيق المؤلفات وهو عمل كان بيان الأستاذ محمد شفيق والإطارات الجمعوية التي عملت على تحقيقه منذ أواسط الستينات حاملا لنهاية موضوعه.

إن قراءة متأنية ومقرنة للظهير المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية والهيأة العليا الامازيغية بالجزائر سيكتشف حجم النسخ والتقليد , إذ أن ظرفية التأسيس المرسوم كانت متشابهة كما أن الأساس القانوني كان واحدا ( الظهير في المغرب، الرئاسي بالجزائر ). وفي الوقت الذي عملت فيه أزمات التمثيل الشرعية الاستقلالية بأفول وظيفة الهيأة العليا الامازيغية بالجزائر فإن طريقة تشكيل المعهد والتسابق الزبوني للعديد من النخب الامازيغية نحو مقاعده سيعجّل لا محالة بنهاية حيلته. ولن يستطيع أن يصمد أمام مطالب الحقوق الثقافية واللغوية المتخذة من تعديل الدستور مدخلا لها ومن الشرعية الدولية مرجعا لها , إنها مطالب تدافع عنها اليوم جبهة رفض الاحتواء الدولتي للحقوق الثقافية والتبرم من نخبة كانت حاملة لمشروع حداثي علماني لم يكن أحد يظن أنه سوف ينتهي برداء مخزني.

ونفس المنطق الذي تحكم في إنشاء المعهد الملكي للثقافة الامازيغية سيؤطر تأسيس ديوان المظالم الذي ابتعد وابتداء من الاسم الذي أطلق عليه من تجارب دولة القانون واقترب على العكس من ذلك من التجارب التاريخية ومن أفكار الدستور الوسيطلوالي المظالم وديوان الشكايات وهي المرتبطة بأنساق سياسية محكومة بفكرة شخصانية السلطة. إن تأسيس ديوان المظالم وانطلاقا من الفصل 19 قد أخرجه من مطالب الإصلاح السياسيوالدستوري التي حملتها مذكرات الكتلة الديمقراطية ويجسد المجال الضيق المتروك لعمل حكومة التناوب التي لم تستطع أن تخرج مؤسسة الوسيط الى الوجود والتي اعتبرتها المؤسسة الكفيلة لدفع الإدارة لتنفيذ الأحكام القضائية ومواجهة عجرفتها البيروقراطية , متناسية أن النسق السياسي المغربي لازال محكوما بثقافة الاستعطاف الموكولة حسب نصوص الأدب السلطاني للأمير. لقد أوكل الظهير لديوان المظالم وظيفة تنمية التواصل بين كل من المواطنين أفرادا أو جماعات وبين الإدارات أو أي هيئة تمارس صلاحيات السلطات العمومية ( المادة الأولى). إلا أن هذا التواصل ليس أوتوماتيكيا. فأبواب ديوان المظالم لن تكون مفتوحة في وجه المواطن إلا إذا أثبت قيامه بمساع لاسترجاع حقوقه لدى السلطة التي يتظلم منها. وهو إجراء – في اعتقادنا – يذهب الى ضرب مبدأ الولوج الى العدالة ويضعف من إمكانية الاستنجاد بهذه المنشأة.
إن ديوان المظالم لا ينتزع فقط الطابع الدستوري عن مؤسسة الوسيط ولكن يمنح حياة إضافية لمؤسسات استشارية انتهت مبررات وجودها , حيث وطبقا للمادة 13سيقدم والي المظالم الى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان تقريرا عن القضايا التي تهم النهوض بحقوق الإنسان الى مؤسسات دستورية ؟ فكيف يمكن تحويل المنشآت المؤسسة طبقا للفصل 19 وهل سيكون التعاقد على دستور المواطنة الحامل للإجابة على سؤال المؤسسات بالمغرب؟


الهندسة الدستورية للتعاقد السياسي على أساس فكرة المواطنة


ننطلق في البداية من ثلاث ملاحظات
. طغيان المقاربة السياسية في تدبير ملف حقوق الإنسان
. ابتعاد ملف حقوق الإنسان عن امتداده الدستوري الطبيعي
. تشرذم المطالب الحقوقية وقطاعيتها
إذ فضلت المؤسسة الملكية هي المتحكمة في ثنائية الدستور/حقوق الإنسان في المغرب أن تؤسس لعهدها الجديد وأن تفعل مفهومها الجديد للسلطة بنفس مؤسسات الأمس المشوبة بعيوب أزمة الشرعية وانعدام الفعالية، إذ تم الإبقاء على دستور وضع ليموت مع واضعه ومتميز بضبابية التنصيص على عالمية حقوق الإنسان التي لم تعرف طريقها نحو الإعمال بفعل رادع الخصوصية الذي وقف حائلا أمام عمل الملاءمة. أما الأحزاب الوريثة للانتماء الى الحركة الوطنية فقد تعاملت سياسويا مع ملف حقوق الإنسان واعتبرت إغلاق ملف المعتقلين السياسيين والتعديلات الواردة على بعض القوانين مؤشرا لمرحلة الانفتاح على النظام المكللة بتجربة التناوب التوافقي متخلية عن مطلبها التاريخي في الوصول الى دستور تعاقدي يؤسس لقطيعة مع سنوات أطرت بدستور المنحة، إضافة الى عجزها عن رفع مطلب المصالحة الوطنية الى جانب الجمعيات الحقوقية مكتفية بتزكية منشآت أسست بمرجعية الفصل 19الذي أخرجها في بداية الثمانينات من حظيرة الإجماع الوطني قبل أن تكتشف جدواه ووظيفة الدفاعية بإعماله كأساس لطلبات التحكيم الملكي
كما أن الخطابات الرسمية المطمئنة على وضع حقوق الإنسان بالمغرب والموجهة للاستهلاك الخارجي لم تدفع واضعي التقرير الأمريكي حول حقوق الإنسان بالمغرب
- من استبدال لازمته المعهودة المتمثلة في - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - والتي تحيل الى عمق المعادلة الدستورية
. داخل أي تطور لملف حقوق الإنسان.

إن اشتغال النسق السياسي المغربي لمدة طويلة وفق تيمات التوافق وبآليات المناظرات قد أفرغ المضمون الدستوري من محتواه، كما أن إثارة أولوية الإجماعالاقتصادي والاجتماعي على توفير مؤسسات حقيقية للبلاد يعبر عن أزمة النخبة السياسية بالمغرب وردة فعلها الانتظارية أمام مجتمع مدني بدأ يرفع مطالب حقوقية جريئة من قبيل وضع دستور ديمقراطي، المساواة الحقيقية، ضمان استقلال القضاء. . . . . . .

فالطبقة السياسية بالمغرب لن تجد محيدا من التفكير في وضع دستور ديمقراطي على أساس التعاقد على مبدأ المواطنة لمواجهة مطالب الحق والقانون , دستور
يؤسس لمجال عمومي دستوري وذلك بفتح النقاش حول الدستور عوض إحاطته بالكتمان وإسباغه برداء أسرار الدولة واعتبار مسألة وضعه مسألة تقنية , مجال عمومي يتأسس
عبر إشراك الجميع في التفكير في وضع وثيقة تعيد القدسية لنص ليس مصاغاً على مقاس الأشخاص ولكن حامل لفكرة المأسسة القادرة على تحديث النظام السياسي، دستور يقطع مع عهد الاستفتاءات على واضعه ومع طقوس تجديد البيعة عبر استلهام الآليات التوافقية التي أبدعتها شعوب الموجة الثالثة للدمقرطة متجاوزين بذلك مطلب الجمعية التأسيسية التي أفتى زعيم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية بعدم إمكانية تحققه بالمغرب وأدخله رائد التقليدانية الى متحف القانون الدستوري المغربي.
علمنة الوثيقة الدستورية واعلان وفاة عهد التذرع بالخصوصية، علمانية ستمكن من الانخراط في المواطنة العالمية وتسمح للمواطن المغربي بالاحتجاج بالشرعية الدولية، إنها نهاية ازدواجية المرجعيات داخل الوثيقة الدستورية وأفول التمسك بالشرعية الدينية وفتح المجال لقيم العقلانية والحداثة وانتقال المقدس من دائرة ما هو عمومي الى المجال الخاص للمواطن. التنصيص الدستوري على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وعلى الحقوق المنتمية للجيل الثالث للحريات والتي تحفل بها دساتير الانتقال من قبيل الحق في الحق في بيئة نظيفة، التنمية.. . . . إضافة الى حقوق الشعوب الأصلية، وأن يفرد لها باب عوض حشرها داخل الأحكام العامة لتظهر المواطن على مستوى الهندسة الدستورية كجزء من المعادلة الثلاثية للوثيقة الدستورية وهي الفرد- التنظيم-السلطة، كما أن دسترة المصالحة الوطنية ستحول الوثيقة الدستورية الى حامل لفكرة الانتقال وكشاهد على القطيعة مع المرحلة السابقة وكضامن لعدم تكرار ذات السيناريو.
دسترة آليات لضمان احترام حقوق الإنسان وعلى رأسها القضاء الدستوري بانفتاحه على المواطن وقصر وظيفة التأويل الدستوري عليه. الى جانب القضاء الدستوري
. . . . يتم خلق آليات من قبيل الوسيط.... مؤسسة المدافع عن الشعب لحماية المواطن من تعسفات الإدارة وبيروقراطيتها.

باحث في العلوم السياسية من المغرب
www. atarguine@maktoob. com

الناطـق الرسمي باسـم القصـر الملكـي وسـؤال دسـترة الأمازيغيـة

- استبعـاد للرسمية والتحـاق بأطروحـة الوطنيـة –
محمد أتركين

كانت البداية على صفحات جريدة " الأحداث المغربية " في حوارات حول " المسألة الأمازيغية " وكانت الإجابة عن سؤال المكانة الدستورية المحتمل لدى الغالبية من زعماء الأحزاب أو الذين يفكرون في إنشاء حزب هو تقديم " الوطنية " كسقف للدسترة ..... في خضم هذه الحوارات اليومية تنزل على أسماع مناضلي الحركة الأمازيغية محاضرة الأستاذ حسن أوريد التي ألقاها في ضيافة " اتحاد كتاب المغرب " ببني ملال وأناط بالملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي أمر نشرها , لتأتي محاضرة وزير التربية الوطنية السيد لحبيب المالكي بأكاديمية المملكة حول ذات الموضوع والتي لم يمنح شرف الاستماع إليها والإنصات الى مضامينها والتمعن في معانيها – مع كامل الأسف – إلا للمدعوين الذين أثث حضورهم تواجد السيد محمد شفيق الذي ربما قد طلق اعتزاله وعاد بعدما أشرف على الولادة القيصرية لـ"النخبة المولوية الأمازيغية" الى البحث عن صيغة لتمرير خيار "دسترة وطنية اللغة الأمازيغية" أمام تضخم الملفات المعروضة على أنظار المستشار المهندس في المربع الملكي.

هل تحتاج الأمازيغية لكي تصير لغة وطنية الى اعتراف في وثيقة دستورية شكل الطابع الممنوح سمة نسجها وصياغتها بالرغم من الإخراج التعاقدي لدستور 1996 الذي تم في أجواء التحضير لتناوب خارج محدد الصناديق وباستحضار لهاجس الاستخلاف ومطمح تحقيق سلمية الانتقال؟؟؟ ..... إن وطنية اللغة الأمازيغية ليست في حاجة الى فضاء دستوري لاكتساب هذه الصفة ولا الى شرعية قانونية قاصرة على هذا السقف بحكم أن تجميع شرعيات الفعالية , التاريخية والمجتمعية يغنيها عن ذلك , فصمودها في وجه دعوات التعريب الغابرة والحديثة ومقاومتها لحرب إماتة اللهجات الموظفة فيها سلطة ومشاريع المثقفين البعثيين قد جدد وجودها المادي والروحي الذي لا يقدر بأي حال من الأحول أن يجحده جاحد أو ينكره منكر.

فالدعوة الى الإقرار الدستوري بوطنية الأمازيغية لايعني البحث لهذه الأخيرة عن مكانة داخل القانون الأسمى للأمة ولا الى جعلها تيمة (=أطروحة) للعقد السياسي الرابط بين الحاكم والمحكوم وإنما إدامة فكرة التوحيد اللغوي والهوياتي المهندس في الوثيقة الدستورية وخلق تراتبية في النص القانوني تقضي بدونية لغة وثقافة " العجم " بعيدا عن منطق المساواة المؤسس وفق الأوقاف الدولية والمرجعية العالمية للحقوق والحريات التي يظهر أن زمن " التمسك " المعبر عنه في ديباجة الدستور لم يحن بعد وقت تشغيله .
إن الأطراف التي لا تدع اليوم الفرصة تمر للتصريح أو التلميح بد سترة وطنية الأمازيغية يعني وبمفهوم المخالفة أنها جاحدة لها في الماضي وتعتبرها أجنبية في وطنها "بلاد تامزغا " وناكرة للسان أهلها ونابذة لثقافتها وقيمها وهي تمثلات لعنصرية وإقصاء ممنهجين سكنا متخيل النخب الحكومية المتعاقبة وشكلت أساس السياسات العمومية المتبعة التي أنتجت صورة سلبية ودونية للأمازيغية زكتها آليات التنشئة الثقافية والتعليمية المستمرة في استبعاد الدولة البورغواطية الغير الشرافوية عن مقررات التاريخ واستمرار أكذوبة الظهير البربري التي أعادت توظيفها الأحزاب الوريثة للحركة الوطنية لتقرنها بحدث الإرهاب الذي كانت مدينة الدارالبيضاء هدفا له ( أنظر افتتاحية جريدة العلم ليوم 16 ماي 2004 ) .

· المثقف الأمازيغي داخل نخبة "العهد الجديد" :

خلال الندوة التي نظمها اتحاد كتاب المغرب حول " التنوع الثقافي " ببني ملال ألقى الأستاذ حسن اوريد مداخلة غير عادية لأسباب تكمن في كون صاحبها يشغل منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي ولأنه ثانيا يحمل صفة أكاديمية في مستوى الدكتوراه وثالثا بحكم الهم الدي يسكنه والمتمثل في مطلب المصالحة مع الامازيغية في أبعادها الثقافية واللغوية والحضارية , إن تجميع هده الأبعاد ستجعل هده المداخلة مفتوحة على فرضيات للفهم بسبب إحالتها على مراجع عدة واستلهامها لبارديغمات مقارنة استطاعت التوفيق بشكل من الأشكال بين هاجس الوحدة ومطلب التعدد .

إلا أن المناقشات التي انصبت على المحاضرة اهتمت اكثر بفقرة صغيرة كبيرة في دلالاتها بحكم أنها تحمل موقفا من سؤال الدسترة ولو أنها تموقعت حسب هندسة المداخلة في خاتمة العرض " قبل أن اختم أود أن أشرككم إرهاصات أفكار...". فالنموذج الدستوري الذي يقدمه السيد حسن اوريد للتوفيق بين ثنائية وحدة\تعدد يكمن في " ...أن تكون لبلدنا لغة رسمية واحدة " مستندا في إصدار هدا الحكم على أن "...دماء المغاربة مختلطة وثقافتهم متفاعلة متداخلة يمتزج فيها المكون الأمازيغي بالعربي لغة وعادات وسلوكا " , وهو مبرر – في اعتقادي- لا يصمد لتمرير طبقتين لغويتين داخل الوثيقة الدستورية الأولى رسمية والثانية وطنية , فهدا التمييز على مستوى الميثاق الدستوري فضلا عن كونه لا يلبي مطامح الحركات الاحتجاجية الأمازيغية ولا يعكس مطالبها الدستورية المعبر عنها في المذكرة المرفوعة الى العاهل الراحل سنة 1996 , فإنه لا يتمثل فكرة الحقوق والحريات وهاجس المساواة ومطلب المواطنة الدي يجعل أسباب توحد الأمة لاتكمن في تخلي فريقا منها عن لغته للتواصل داخل المجال العمومي وإنما تستند الى فكرة البناء المشترك الدي يبتدأ بتجنب الإقصاء أثناء كتابة القانون الأسمى للأمة وينتهي بالإدماج داخل مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

فنموذج الدساتير التي أطرت عملية المرور الى فضاء الانتقال والتدعيم الديمقراطيين هي النصوص التي استبعدت عن فكرة صياغتها وهاجس وضعها منطق " الوحدة " وتجنب تيمة الخصوصية ( في دلالاتها السلبية المعيقة ) لكي تعانق العالمية عبر الإحالة على العهود الدولية والمواثيق العالمية للحقوق والحريات , فأتت قوانينها الدستورية حاملة لصك الحقوق الدي يجعل لغات الوطن الواحد كلها رسمية والدولة ملزمة ببدل العناية والاهتمام بها على خلفية المساواة ,فهاهو دستور جنوب إفريقيا يعترف في فصله السادس بإحدى عشر لغة رسمية ويطالب من الدولة " اتخاذ إجراءات ملموسة للرقي بأوضاعها والتسريع باستعمال هده اللغات " , فهل جنوب إفريقيا بفلسفتها الدستورية هده تقود بلادها نحو التشردم والتمزق والى الانحلال بعد الوحدة والى الصدام بعد المصالحة ؟ , وألا يكون هدا الغنى اللغوي الدستوري فاعلا في إدامة الوحدة واستبعادا لأطروحة الانتصار وتلحيما لروابط أمة أصبح ولائها قاصرا على قواعد قانونية متراضى حولها منهية بدلك عهد احتكارية عرق ولغة وثقافة واعترفت بواقع التنوع الدي يخدم الآن مسلسل الوحدة والتوحد.

فالأستاذ حسن اوريد بموقفه هدا قد ابتعد عن روح أطروحته الجامعية حين يقول إن اللغة هي موضوع رهانات كبرى وتصبح في مراحل الانتقال رهانا رئيسيا. فالتغيرات التي عرفتها أوربا قد تمت حول اللغة , فالنهضة لم يكن لتتم لولا دمقرطة اللغة " in : Le Substrat Culturel)). فهل من الديمقراطية داخل السوق اللغوية المغربية احتكار العربية لصفة الرسمية الدستورية وهل يمكن تأسيس ثقافة مغربية ديمقراطية خارج الاعتراف الدستوري برسمية اللغة الامازيغية ؟ إن الرهانات التي تحملها "رسمية الامازيغية" تدخل في إطار تحديث الدولة والمجتمع بتخلص الدولة عن المنطق الشمولي الدي سكنها بعد الاستقلال ودعوتها للبحث عن أسباب الوحدة خارج المعادلات التقليدية اللغة – الدين ....وفي تمرير ثقافة التعدد والاختلاف لبنية مجتمعية مغلقة بفعل السياسات الإعلامية والثقافية التي رسخت في دهنيتها اقتران الامازيغية بالتمزق. كما أن أي مشروع للتحديث السياسي لايمكن أن يغفل الامازيغية بحكم تأسيسها على مرجعية الحقوق والحريات وعلى العالمية الإنسانية وعلى العلمانية كآلية لتدبير التعددية.

فالإنسية المغربية للمرحوم علال الفاسي التي أثث بها الأستاذ حسن أوريد خطاطة حججه لكي تكون لبلدنا لغة رسمية واحدة , هي إنسية لاتجد فيها الأمازيغية موقعا لها وكان بالأحرى على الأستاذ المحاضر أن لا يتسرب هدا المرجع الى سلسلة إحالاته العالمية التي لاتكن العداء الغير المبرر لحضارة إنسانية ذنبها الوحيد أنها أمازيغية. أفلم يدعو الأستاذ علال الفاسي الى قتل الأعراف البربرية واتهامها بأنها ذات أصول وثنية ؟؟ ( النقد الذاتي \ مطبعة الرسالة ماي 1999 ). وألم يكن ضمن مطالب الوفد الدي سارع الى مقابلة السلطان محمد بن يوسف في أعقـاب ظهير 16 مـاي أن "اللغة العربية وحدها لغة رسمية ولدلك يجب أن تكون الأساسية في التعليم" ( الحركات الاستقلالية في المغرب العربي )؟؟؟ وهو المشروع الدي سيعمل على تنفيذه مند دستور 1962.

فإدا كانت الوثائق الدستورية المقارنة لا تسعف في التدليل على موقف الأستاذ حسن اوريد وهي المؤمنة بالتعدد والمصالحة والحقوق وأن اتساع فضاء المبادئ الكونية كالديمقراطية وحقوق الإنسان في تجلياتها الثقافية , السياسية والاجتماعية... يؤشر على نهاية الأنماط التوحيدية لتدبير التعددية. فهل يمكن فهم هدا الموقف من خلال مؤشرات خارج ما تقدم وخارج الهم الموضوعي ومرتبطة بالوضع الاعتباري للسيد حسن اوريد أو للوضع الهش للحركة الامازيغية أو بسبب استمرار مقاومي تغيير منطق الدولة تجاه هويتها وثقافتها الأمازيغية.

فهل تبني الوطنية الدستورية للامازيغية بدل رسميتها يعني إرسال إشارات تطمينية لدار الملك التي لم تستقبل مكوناتها بكثير من الارتياح إقدام رئيس الدولة على إنشاء منشاة المعهد الملكي وطبيعة المعجم الموظف في خطاب أجدير ؟ أم اعترافا من أحد رجالات نخبة العهد الجديد بالسقف الممكن منحه للامازيغية في وقت بدأ فيه الحديث عن تعديل دستوري بإنشاء خلية للتفكير تحت إشراف السيد محمد معتصم ؟ وهل الأمر يتجاوز إطار مداخلة معرفية في ضيافة فضاء للمبدعين الى تبليغ رسالة في حقل سياسي يشتغل أكثر بالإشارات والرموز؟

مهما تكن الإجابة الصحيحة للأسئلة المتناسلة فإنها أعادت – عن قصد أو بدونه – الى الساحة العمومية النقاش حول السؤال الدستوري وجعلت المكونات الأمازيغية تنسى نزاعاتها وبنيتها الانقسامية لتتوحد حول مطلب واحد هو ضرورة الاعتراف الدستوري برسمية الأمازيغية.

· جريدة أكراو وموقف "التقليدانية الأمازيغية" :
تساءلت افتتاحية جريدة اكراو AGRAWAL )) في عددها 124 ل 16 مايو الجاري في أعقاب مداخلة الاستاد حسن اوريد " هل يتعلق الأمر بتصريح سياسي يدلي به الناطق الرسمي كجواب من أعلى سلطة بالبلاد موجه لكل المطالبين بإدماج الامازيغية كلغة رسمية ثانية للمغرب؟ ولمادا تم اختيار السيد أوريد لإيصال الرسالة الى الحركة الاحتجاجية الامازيغية في هدا الظرف بالذات؟

فجريدة اكراو التي يشرف على رئاستها نجل " أمغار " التحالف الحركي كانت سباقة في التقاط مضامين محاضرة الأستاد حسن اوريد وأعادت نشرها كاملة ( دون أن تشير الى المصدر ) بل وتضع لها بندا عريضا في الصفحة الاولى للجريدة وتنهل في مقارعتها للحجج الواردة في المحاضرة من معين الاحتجاج الامازيغي وتوظف نبرة غير خالية من التحدي حين تقول " ...إننا نأسف لأن كل الأقنعة قد سقطت والباب مشرع اليوم أمام كل الاحتمالات " , وتجعل هم الدسترة ليس هما نخبويا بل مجتمعيا بتصريحها " ... إن المخزن في عهده الجديد لايرغب في الاستماع لنبض الهامش في املشيل و كولميمة و الحسيمة و أكادير و أغبالا و الناظور و مكناس وفكيك ...." .

إن التحالف الحركي الدي يفاوض الآن في صمت للوصول الى حقيبة الوزارة الأولى ورقته في دلك ليس الأغلبية البرلمانية العددية ولاتشكيله لقطب منسجم يقوده خارج الشرعية التاريخية الزعيم الطبيعي لتكتل الوفاق , بل تقديم نفسه كممثل للأمازيغ وإدا كانت علاقته بالمسألة الأمازيغية لاتخرج عن دائرة " التقليدانية " تشوشها تارة تصريحات الزعيم المحجوبي أحرضان ( أنظر حواره مثلا مع جريدة الأحداث المغربية ). فإن السيد أوزين بإمكان إعادة توظيفه لخلق هدا التواصل الغير الدائم بين الحركات الشعبية والحركة الامازيغية خصوصا وأن الأولى لم تلتقط مواقف الثانية المعبر عنها في مذكرة 1996 وصوتت على الترميمات الدستورية مجتمعة بالإيجاب حتى وإن كانت تؤسس لفضاء ثقافي , لغوي وهوياتي لايجد فيه أحرضان ومن معه أية مكانة وأي اعتراف.

ومن تم فهل هدا الموقف موقف شخصي للسيد اوزين أحرضان أو لخط تحرير الجريدة في وقت لم يصدر فيه عن التحالف الحركي أي موقف رسمي من المسألة الدستورية مع إقرارنا بالطابع الهش والحدود الغير قارة بين الأول والتنظيم الحركي ؟ ام أن الأمر يدخل في مسلسل تلميع الصورة الدي دشنته نخبة التحالف الحركي بنقلها لهموم الهامش الأمازيغي بمناسبة ما يعرف بقضية " نرجس النجار" الى قبة البرلمان وإكرامها لوفادة النخبة المولوية الامازيغية أثناء احتفالها بالدكرى الأولى لخطاب أجدير وعقدها لقران مصالحة ماداموا قد ولودوا تحت سقف واحد هو سقف "التقليدانية الدستورية".

إن وجاهة افتتاحية أوزين أحرضان في معارضتها لدسترة وطنية الامازيغية قد بقيت في مستوى الخطاب ولم تترجم الى فعل سياسي متبنى من قبل التحالف الحركي المنهمك على ما يبدو في مكافحة الجراد وتكذيب تصريحات البخاري والدعاية لمعرض اللوحات التشكيلية للمحجوبي أحرضان عوض الاهتمام بمسألة ساهمت عبر مواقف التراضي والتوافق وسلوك التصويت بالإيجاب في تكريسها , لتنتفض في لحظة تأنيب الضمير لممارسة نقد ضمني بالدعوة الى رسمية اللغة الامازيغية .
وبالتالي هل ستضع الامتدادات الحزبية للسيد أوزين احرضان الشرطية الدستورية في أية معادلة سياسية تؤدي سواء الى منح الوزارة الأولى للتحالف الحركي أو إحداث تعديل موسع يقودها الى تشكيل نواة السلطة التنفيدية الغير السيادية ؟ أم أن الحنين الى عهد " إمغارن " الدي قد توفره المناصب الوزارية قد يؤدي بها الى نسيان افتتاحية أكراو وتأجيل مرحلة الدفاع عن مضامينها الى زمن آخر ؟ ؟

· " النخبة المولوية الأمازيغية " وسلوك الانتظارية :
مادا كان سيكون عليه الأمر لو تمسكت تركيبة المجلس الإداري بأولوية الدستوري في أية صيغة لأجرأة الامازيغية واحترمت بالتالي دفتر مطالبها وتعاقدها التأسيسي عوض أن تضع نفسها في وضع عبر عنه السيد أحمد عصيد بكل أمانة بقوله " ...إن المعهد بصدد تهيئة لغة هامشية فباستثناء القرارات الملكية لا يوجد أي سند قانوني يدعم عمل المعهد ويسنده " ( جريدة الأحداث المغربية ليوم 16 أبريل 2004 ) , بالمقابل تفوه عمدة المعهد الملكي للثقافة الامازيغية بكلام مرتبك خال من الانسجام والدقة ويحمل الكثير من الالتواء والديبلوماسية حين قال : " ....إن المعهد سيستعد لإبداء الرأي وتقديم الخبرة حول دسترة الأمازيغية ومأسستها ودلك في الوقت المناسب وعند الحاجة والطلب " (جريدة الأحداث المغربية ليوم 09 أبريل 2004 ).
فمع إدراك الجميع خلو المعهد من خبراء دستوريين ومن مركز على مستوى هيكلته الداخلية مهتم بحقوق الإنسان في بعدها الثقافي واللغوي , فإن اشتراط " إبداء الرأي " ب الوقت المناسب \ الحاجة \ الطلب يطرح اكثر من علامة استفهام حول وعي العميد بأهمية الحماية الدستورية للغة الامازيغية , فهل الوقت المناسب لم يحن بعد للدسترة في وقت تمكن فيه المجال العمومي من تجاوز ثقافة الطابوهات وتوظيف جو الانفتاح السياسي لما بعد الاستخلاف لطرح أسئلة تعيد النظر فيما اعتبر لأزيد من نصف قرن بمثابة ثوابت ومقدسات , أما الحاجة فتدعمها مطالب الحركة الامازيغية وبياناتها التي لا تفتئ تطالب بدسترة رسمية اللغة وهي حاجة مجتمعية وتواصلية يظهر أنها لم تنته الى مسامع العميد أما الطلب فيحيل الى فرضيتين فإما سيلجأ الامازيغ الى حي الرياض بالعاصمة لا ستجاد وطلب العميد أم أنه يحيل الى علاقة غير شكلية والى مجهول وممارسة غير رسمية لا يمتلك غير العميد مستويات الإجابة عنها .

كما أن تسييج مسألة الامازيغية في مستوى " الخبرة القانونية " يحجب المضامين السياسية والحقوقية للمطلب ويجعله يتحول الى إشكال تقني بالنسبة لدهنية العميد التكنقراطية التي تبحث عن معيرة لغة أجنبية بحسب القانون الأسمى للأمة وإدخالها في مدرسة تنتمي وحسب الدستور الى " المغرب العربي " ومفروض عليها التعايش مع مقررات في التاريخ والتربية الاسلامية تزكي وضاعتها ودونيتها .

إن المهرولين الى كراسي المعهد الملكي قد انفصلوا عن الهم الدستوري وسيجوا في إطار ظهير مصاغ لتأبيد اللاتوازن اللغوي وقبلوا بهامش الفعل المتروك للأمازيغية ووظفوا إطار " الشراكة "لتشكيل احتياطي للولاءات الجمعوية القابل للتوظيف في أي وقت وحين وتحولت بالتالي العديد من الجمعيات الامازيغية من منظمات غير حكومية الى قواعد لحزب " النخبة المولوية الامازيغية" .

فالدعوة الى رسمية اللغة الأمازيغية من قبل العديد من الأطراف المنتسبين الى المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية على صفحات الجرائد الوطنية ومحاضراتهم كانت ستكون أكثر فائدة لو صيغت في توصية تقضي بأن أجرأة الامازيغية وإدماجها في المجالات العمومية لايتم الا عبر اعتراف دستوري بها وأن عملهم بالمعهد يتوقف بالضرورة على هدا الإجراء ورفعوها الى الجناب الشريف أو إدا عازتهم الجرأة أرسلوها عبر وساطة المستشار الملكي المتردد وفق أجندة معلومة على مجلسهم الإداري وكلفوه برفعها الى رئيس الدولة. إن الابتعاد عن هدا السيناريو يعني بالمقابل تفضيل الانتظارية عوض الإقدام على فعل قد يؤدي بهم الى الخروج عن فضاء المولوية في وقت تتسع فيه طوابير المنتظرين المتربصين بالتعديل الأول الدي سيطال تركيبة المجلس الإداري لمنشأة المعهد الملكي للثقافة الامازيغية.

الأمــازيغية والـدسـتور

محمد أتركين


لعل أكبر غائب في الوثيقة الدستورية المغربية مند أن ولج المغرب عهد الشكلانية الدستورية هو المعطى الهوياتي الأمازيغي , حيث حكمت الفكرة الدستورية نوع من الإجماعية التي أقصت معطى التعدد ونظرة إلى الامازيغية محكومة بمقولات الظهير البربري المحيل في المتخيل السياسي لورثة الحركة الوطنية إلى التشردم والانقسامية .
فالدستور المغربي قد غيب البعد الأمازيغي في تعريفه للدولة التي أنشأها مند سنة 1962, في المستويات اللغوية , التاريخية , الثقافية , الهوياتية من خلال :
- اعتبار جوهريا أن تأسيس المغرب قد بدأ مع الفتح الإسلامي ويتجسد دلك في الحضور القوي للمعتقد داخل نص يخلط بين الهوية والدين.
- أن اللغة العربية قد احتكرت السوق اللغوية المغربية وان كانت صيغة الرسمية قد فوتت الفرصة على العربية لتصبح لغة وطنية .
- غياب الإشارة إلى هوية الشعب المخاطب بنص الدستور , فنحن أمام قواعد جامدة لا يظهر دستوريا الأمة المخاطبة بمقتضياته .
فالمغرب حسب تصدير الدستور: دولة إسلامية , لغتها الرسمية هي اللغة العربية وباستثناء هده الإشارة فان باقي فصول الدستور المغربي تحيل فقط على إشكالية السلطة والتنظيم في حين أن الحقوق والحريات لاتمثل في النص الدستوري إلا ثمانية فصول ( من الفصل الثامن إلى الفصل السادس عشر ) تغيب فيها الحقوق الثقافية واللغوية وحقوق الشعوب الأصلية , هدا الغياب تأكد حتى بعد التعديل الدستوري لسنة 1992 الدي التزم فيه المغرب باحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا .
الحركة الثقافية الامازيغية ومطلب الدسترة :
تولد وعي مبكر لدى الحركة الثقافية الامازيغية بأهمية الحماية الدستورية وتجسد دلك عمليا في ميثاق أكادير الدي جعل من إعادة النظر في النص الدستوري المدخل للمطالب الثقافية والسقف القانوني القادر على منح الشرعية لمطالبها .
إلا أن الميثاق تعامل تعاملا إجرائيا مع النص الدستوري حيث قصر المطالب الدستورية الامازيغية على اللغة , هدا المطلب سيعاد إنتاجه بمناسبة المذكرة التي رفعتها مكونات الحركة الثقافية الامازيغية إلى الملك الراحل أثناء التحضير للتعديل الدستوري لسنة 1996 وبقيت المقترحات التي لم تؤخذ بعين الاعتبار أسيرة اعتبار الامازيغية لغة رسمية أو وطنية دون التفكير في بلورة تصور واضح حول المسألة الدستورية يروم الانتقال من دستور فصل السلط إلى دستور صك الحقوق عبر الاندماج في نسق العالمية بدل الخصوصية التي جعلت الالتزامات الدولية للمغرب في مجال الحقوق والحريات تفتقد إلى الامتداد الدستوري .
فالبعد الأمازيغي للمغرب لايمكن أن يتعايش مع الفكرة السياسية التي حكمت الوثيقة الدستورية المؤطرة حاليا لقواعد اللعبة السياسية , ويمكن أن نستدل على دلك بمايلي :
1- أن المشروع الثقافي الأمازيغي يروم إلى إرساء بنيات الحداثة السياسية عبر النهل من معجم جديد ينتمي إلى الشرعية الدولية والى الحقوق الثقافية واللغوية ومن فهم للمساواة غير مقتصر على الأفراد ولكن يمتد ليشمل الشعوب والثقافات في إطار تدبير ديمقراطي يروم إلى إنشاء وحدة سياسية بديلة لتلك التي حملها أقطاب دولة ما بعد الاستقلال .
2- أن الفعل الأمازيغي يستند إلى بنيات قانونية فوق وطنية ومرجعية دولية في مواجهة نسق يقدم على أنه ‌خصوصي , فالحقل المضاد الدي يتحرك فيه الامازيغيون يرفض مقولات : الرعية , إسلام الدولة , مركزية الدولة , عروبة الدولة .

المعهد الملكي للثقافة الامازيغية وأولوية الثقافي على الدستوري :
شكل المعهد الملكي للثقافة الامازيغية بداية تغيير سياسة الدولة في مواجهة الاحتجاج الأمازيغي الدي عملت على مأسسته من خلال آلية الفصل 19 , فرأس التنظيم السياسي لازال يفهم الامازيغية من داخل المعين التقليدي حيث توظيف تقنية التعيين لاستقطاب نخبة الحركة الثقافية الامازيغية التي شكلت شرعيتها النضالية والعلمية القناتين التي أوصلتهما إلى كراسي المعهد .
فالظهير المنظم لاشتغال المعهد يرمي إلى تسييج الحركة الثقافية داخل دائرة ما هو ثقافي وتحويلها إلى هيأة للموظفين قائمة على مهام الاستشارة وإبداء الرأي ونقل سلوكها الاحتجاجي إلى فضاء الشرعية المولوية.
فالقبول بالسقف الممنوح من قبل المخزن الجديد قد جعل نخبة الحركة الثقافية في مفارقة كبرى ,حيث أن تعاقدها التاسيسي قد تأزم في قبولها الاشتغال في منشأة بدون تعديل الدستور الدي اعتبرته الوثائق التأسيسية المدخل لأمزغة الدولة والمجتمع , كما أن عدم استشارتها لقواعدها وجريها بصفة شخصية إلى كراسي المعهد الملكي قد بين عن هشاشة الإيمان بالديمقراطية كفكرة وكآليات.
فنخبة الحركة الثقافية لم تستطع الدفاع عن ملفها المطلبي المصاغ في صك ميثاق أكادير وفضلت إعادة إنتاج سيناريو التجربة الجزائرية التي لازالت تستحضر منزلقات المفوضية العليا الامازيغية .
كما أن أحزاب الحركة الشعبية التي بدأت في التكتل قد تتحول إلى ورقة احتياطية أو تعويضية في أي معادلة قد ترفض الحركة الثقافية الانضمام إليها والادعان لمقتضياتها , مما يجعل الجمعيات الامازيغية التي لم تعد النظر في آلياتها التنظيمية ولافي تعاقداتها التأسيسية مهددة في احتكار تمثيل الوعي العصري للامازيغية .
الامازيغية في دستور الانتقال الديمقراطي :
يتطلب إدماج الامازيغية داخل المنظومة الدستورية إعادة النظر في المشروع السياسي الدي قادته أطراف الحركة الوطنية وعملت على تأييده دستوريا , واعلان نهاية الاستثنائية المغربية في قبول مقومات الحداثة السياسية واعادة النظر في هوية المجتمع التي اختزلت في وجهي العروبة والإسلام وتدشين مسلسل مصالحة وطنية مع الانتماء الأمازيغي للمغرب.
فمعادلة الامازيغية \ الدستور تؤسس لنسق جديد بثلاث خصائص :
1-نسق سياسي مفتوح :مندمج في عالمية الحقوق والحريات ويحتكم إلى مقتضيات الشرعية الدولية ويمنح إمكانية الاحتجاج بها , نسق غير مغرق في تقليدا نية الخصوصية أو في شرعيات تقليدية لم تعد قادرة على أن تقدم كمسوغ للعلاقة مابين الحاكم والمحكوم .
3- 2- نسق علماني : حيث انتقال المقدس من دائرة المجال العمومي الى المجال الخاص , وتظهر العلمانية كضامن لتدبير التعددية الخالقة لوحدة جديدة مبنية على فكرة المواطنة , فالعلمانية تمنح للامازيغية كمكون فرصة الظهور والاستقلالية في مواجهة فهم ديني للوحدة يتأسس عبر صهر وتذويب جل الثقافات .
4- نسق فدرالي : عبر رد الاعتبار للمكونات تحت دولتية وتوفير بنيات إدارية قادرة على الحفاظ على الخصوصيات المحلية واعادة صياغة العلاقة مابين المركز والمحيط وفق ضمانات دستورية تجعل المحيط قادرا على تدبير شأنه المجتمعي خارج وصاية المركز الحامل في تمثلات المخيال السياسي ثنائية المكافأة والعقاب .

التغيير الدستوري وسيناريو الانتقال الديمقراطي بالمغرب


د. محمد أتركين*


ماهي حدود إمكانية الاستمرار بالعيش بالمكتسبات الدستورية السابقة دون إحداث تغييرات في قواعدها تمكن من إمتداد خطاب الحداثة الى القاعدة القانونية؟ وماهي السيناريوهات المقبلة التي يمكن ان تطال طريقة وضع الدستور والفاعلين المشاركين في صياغته والقواعد المؤسسة لفكرته؟ وماهي تمثلات مصالحة الدستور المغربي مع فكرة المأسسة، الحقوق والجهوية الدستورية؟
*

الانتقال الديمقراطي مسلسل سياسي يروم توقيف القواعد الاتوقراطية وتعويضها بأخرى ديمقراطية، فهو يجسد لحظة المرور من نظام سياسي مغلق إلى نظام آخر مفتوح ويؤسس لعملية بناء قواعد سياسية جديدة تعكس طبيعة التسوية التي انتهى إليها أطراف الميثاق السياسي للانتقال الديمقراطي.
ويطرح في قلب معادلة الانتقال الديمقراطي، دور المتغير المؤسساتي لفهم سقوط الأنظمة الاستبدادية وتدعيم اشتغال الأنظمة الديمقراطية، بمعنى مدى قدرة الدستور على شرح عملية الانتقال والتدعيم الديمقراطيين ؟،
فالدستور لم يعد في قلب التعريف الإجرائي والمسطري للديمقراطية بل أيضا واجهة مؤسساتية لمسلسل الدمقرطة من خلال علاقة القوة التي تحكم عملية الانتقال الدستوري وطبيعة الأجوبة والهندسة المؤسساتية التي يقدمها في مرحلتي الانتقال والتدعيم الديمقراطيين.
إن القواعد القانونية للانتقال الديمقراطي هي نتاج لمسلسل تداول جماعي، أفضى إلى صياغة توافق يحيط بالشكل الجديد للتنظيم، النموذج المؤسساتي وقواعد اللعبة السياسية...فدستور الانتقال يظهر في مجال سياسي يتسم بتعددية المقررين وبالرغبة في تأسيس صك يحظى باتفاق إرادات أطراف الانتقال.
فالانتقال الديمقراطي والدستور ليسا زمنين سياسيين متميزين لمسلسلين متباينين بل إن الوثيقة الدستورية داخل مسلسلات الانتقال الديمقراطي تطرح كآلية للخروج من البنيات السياسية لنظام ما قبل الانتقال وتسمح بمتابعة دينامية وإكراهات الدمقرطة وميلاد مؤسسات جديدة تروم المصالحة مع فكرة القانون والحقوق.
إذا انطلقنا من كون الميثاق السياسي آلية للانتقال الديمقراطي وفي ارتباط مع المسلسل الدستوري في السياق المغربي، وبتوظيفنا للمنهج التاريخي نكون أمام ثابتين يمكننا من قراءة ثلاث مراحل كبرى في تاريخ المسلسلين الديمقراطي والدستوري بالمغرب:
الثابت الأول: أن المواثيق السياسية في التجربة المغربية هي مواثيق للاستقرار وليست مواثيق للانتقال الديمقراطي، بحكم خضوعها لميزان قوى مختل لفائدة الملكية وتوظيفها لإدامة استمراريتها بالرغم من التغيير الذي يطال تركيبتها ( نخب قروية، حضرية، تكنقراطية..) وطبيعة القواعد السياسية المنشأة في أعقابهـا ( مفتوحة، مغلقة ) أو الغايات الآنية التي توضع في خدمتها.
الثابت الثاني: أن الوثيقة الدستورية بقيت فكرتها السياسية والمشروع الذي رسمته قارا في جوهره منذ لحظة التأسيس والولوج الى العهد الدستوري ولم تتغير قواعدها وطبيعة مؤسساتها والفضاءات المتروكة لتنافس النخب وللشرعية الانتخابية في علاقة مع مسلسلات التوافق المشكلة على هامشها، فالتغيير في التوافقات السياسية قد واكبته أزمة ترسيمها دستوريا في قواعد مكتوبة تحظى برضى جميع الأطراف.
فهذين الثابتين قد تبدا تاريخيا عبر المراحل التالية:
المرحلة الأولى: وهي مرحلة تعود زمنيا الى ما قبل الاستقلال وبالضبط سنة 1944 وتمتد الى حدود سنة 1972، ابتدأت بميثاق بين السلطان ونخبة الحركة الوطنية حدد الاستقلال كهدف له وبالتالي فإن بناء دولة الاستقلال قد اصطدمت بغياب مشروع حول الديمقراطية وتوافق على طبيعة التنظيم وقواعد اللعب، مما أدى الى ميلاد ميثاق ضيق بين الملكية والنخبة القروية حاول الاشتغال وفق دستـور 1962 الذي لم يكن نتــاج " تعاقد دستوري " مما ولد أزمة للميثاقين السياسي والدستوري تمثلت في عدم قدرة التوافق من أعلى على ضبط احتجاج القاعدة وفي الانتقال من القانون الدستوري العادي الى القانون الدستوري لحالة الأزمـة.
إن عدم استيعاب طبيعة الترابط بين الميثاقين السياسي والدستوري هي التي ستؤدي الى فشل دستور 1970 الغير مؤسس لا على توسيع دائرة الميثاق السياسي وتقليص جبهة الرفض ولا على توافق حول القواعد الجديدة المنظور إليها باعتبارها انتكاسة قياسا لملامح برلمانية دستور 1962.
المرحلة الثانية: والمدشنة بأزمة التوافق الدستوري لسنة 1972 الى حدود المراجعة الدستورية لسنة 1992، وهي فترة اتسمت بميلاد ميثاق سياسي بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية على مرجعية قضية الصحراء، فإثارة حدث خارج عن اللعبة السياسية العادية قد مكن من تأسيس حوار بين الفاعلين قاد الى صياغة تراضي حول الزوج الوحدة الترابية – المسلسل الديمقراطي، لكن تدبير هذا التوافق لم يؤد الى إعادة النظر في صك الدستور ولا الدخول في مسلسل دمقرطة حقيقية إذ بقيت صيغة المسلسل الديمقراطي تابعة فقط لتطور ملف الوحدة الترابية.
إن ورود ولأول مرة لتيمة " المسلسل الديمقراطي " ضمن أرضية التوافق يجعلنا نتساءل عن استمرار هذا الميثاق في تأطير الفضاء السياسي المغربي لأزيد من عشرين سنة خارج هذا الالتزام ؟ ولماذا لم يؤد الإخلال بأحد مضامين " التعاقد " الى أزمة الميثاق ؟.
المرحلة الثالثة: حـيث بـدأت تطرح المسـألة الدستورية بطريقـة جديـدة ( المذكرات، التوافق...) بالانتقال الى مرحلة " التدبير التوافقي " والتفاوض بشأن إدماج آلية " التناوب السياسي " وكانت النتيجة تناوب عبر وساطة المؤسسة الملكية مسبوق بتسوية دستورية على مقاس مرحلة التناوب، بمعنى تسجيل تغيير في الميثاق السياسي بتحول أحزاب الحركة الوطنية من مستوى المشاركة في مؤسسات التمثيل الى مستوى تدبير المجال الحكومي الخاضع للتناوب في استقرار لسقف قواعد اللعبة السياسية التي حازت توافقا " سياسيا " لايمكن من ملامسة قواعد وأطراف التوافق.
وقد أدت لحظة الاستخلاف باعتبارها لحظة تغيير على مستوى رئيس الدولة الى طرح أسئلة تروم الى إعادة تشكيل القواعد المنظمة للحقل السياسي المغربي، إن إختفاء رئيس الدولة افترض أنه يحيل الى نهاية طريقة للحكم، نمط للتدبير، تصورلطبيعة التحالفات ودورها...مما جعل تيمات المؤسسة الملكية ودورها في المشروع الديمقراطي، طبيعة المشروع السياسي للنخبة وآلية تدبير الواجهات السياسية والدستورية للانتقال الديمقراطي تطرح في الفضاء العمومي عبر معادلات التحديث السياسي – الانتقال الديمقراطي.
فتجاوز " التجديدات " التي أطرت حدث الانتقال ومضامين عملية تسويق الصورة الجديدة للملك، نلاحظ أن الأطراف السياسية قد فضلت الاشتغال وفق مرجعية للاستمرارية جسدتها طبيعة التعامل مع المكتسبات الدستورية والسياسية التي استمرت في مد الفاعلين بشرعية تدخلاتهم السياسية وعدم قدرة النخبة على الخلق والتجديد بسبب كونها نتاجا لسنوات من الإدماج والإقصاء تعذر معها الظهور بمظهر الوزن المضاد.
إضافة الى عدم التصرف كأطراف تحاول دمقرطة شكل سلطوي للسياسة وعدم وضوح مجالات " الرهان " المستعاض عنها باستمرار الاشتغال وفق الفضاء الايديولوجي للتوافق، واستبدال معجم " الانتظارية " الذي أثث الزمن السياسي لماقبل الاستخلاف بتعابير " الخوف من الحرية " المتمثل في ردود الأفعال الدولتية في مواجهة الحركات الاحتجاجية وعبر السياسات العمومية لأوراش الانتقال الديمقراطي المستبعدة لفكرة التغيير.
استمرار الأدوات التقليدية لاشتغال النظام السياسي واستبعاد المجال الدستوري ضمن أولويات المدبرين لأجندة ما بعد الاستخلاف، جعلنا ننطلق من فرضـية إيجـاد " ميثاق سياسي مفتوح " قادر على إدماج أطراف الحقل السياسي من أجل تحديد قواعد اللعبة التي لاتؤدي الى الإقصاء النهائي لأحد المشاركين سواء تعلق بالأمر بالدين، محتكري العنف والقطاع الخاص المكلف بتدبير الاقتصاد والتوازن الاجتماعي ميثاق غير مستند فقط على الإرادة السياسية للأطراف ولكن يمتد الى مستـوى " التعاقد الدستوري " بتحويل مضامين تسوية الانتقال الديمقراطي الى قواعد مكتوبة واضحة تمس واجهات الشرعية – المأسسة – بنية الدولة، وهي أسئلة وجدت لها وفي إطار القانون الدستوري للإنتقال الديمقراطي المقارن أجوبة حازت اتفاق الأطراف والقواعد المحكومة.
فالخروج من " النظام الحسني " الى ماينعت ب " العهد الجديد " قد أطر بثلاثة محدات:
أولا: أن أسئلة التغيير والإصلاح تطرح خارج الخطاطة الدستورية حيث استمرار التعايش بين مستويات دونية للتغيير مع استقرار في قواعد اللعبة السياسية.
ثانيا: أن النقاش حول الحداثة القانونية يصطدم بجمود البنيات الدستورية الحاملة للأزمة والمشبعة بالتأويلات التقليدانية والقراءة الشخصانية للسلطة.
ثالثا:وجود اتفاق ضمني على تهميش الورش الدستوري وجعله خارج أجندة وتفكير الأطراف الرسمية للحقل السياسي المغربي.
ومع ذلك فإن هذا الوضع السياسي المتسم بالانتظارية لايقود الى التوقف عن التفكير في الصيغ القانونية القادرة على إدخال المغرب الى مرحلة الانتقال الديمقراطية عبر بوابة الوثيقة الدستورية، إنه عمل لايروم الى الوصول الى يوتوبيا حالمة ولايعتبر هذا العمل مجرد " تمرين ذهني " ولكن الى مشروع دولة ومجتمع ديمقراطي عبر قراءة مقارنة تنظر الى التجارب الديمقراطية بمنظار إمكانية إعادة الانتاج.

الدستور في معادلة الانتقال الديمقراطي:
يتحول النص الدستوري كمدخل للانتقال الديمقراطي الى وثيقة للحقوق والحريات والى صك لتجسيد كتابة الاتفاق السياسي وكذا الى برنامج عمل للمقررين ومجالا لاستلهام محددات السياسات العمومية.
1- من دستور للسلطة الى دستور للحقوق:
تتأسس القراءة الجديدة للوثيقة الدستورية من إفلاس الاطروحات التي تنظر الى الدستور باعتباره فقط بنية فوقية شكلية يقدم لتبرير سلطة الأوليغارشية الحاكمـة، فالوثيقة الدستورية وفق القراءة الجديدة هي عقد مفتوح على الخلق والتشكيل المستمر بإدماج التغيرات الغير المتوقعة لحظة وضعه والانطلاق من المجتمع المدني وليس الدولة عبر الثقافة السياسية المجتمعية المعبر عنها داخل النص الدستوري.
فمسلسل التحول الذاتي للدستور يسمح بإدماج المبادئ الغير المكتوبة وإعادة اكتشاف القانون الدستوري الغير المكتوب مما يجعل الدستور الحي هو الذي يعرف ليس من خلال فصول الوثيقة ولكن انطلاقا من إعماله وتطبيقه بحكم أن الدستور لا يعمل بمفرده ولا في معزل عن سلوكات الفاعلين.
إن القراءة الجديدة للوثيقة الدستورية تجعل الصك الدستوري عقدا حيا وعملا للمواطنين بدل الحاكمين وتعبيرا عن الشكل الحديث للنشاط السياسي مما يجعل البناء الدستوري يعلن عن ميلاد الديمقراطية المستمرة التي تسمح للجميع بالمشاركة في تشكيل الإرادة العامة خارج الزمن الانتخابي عبر منح الحق للمواطن في التدخل في المسطرة التشريعية ومراقبة مؤسسات النسق.
ففكرة الحرية السياسية للمواطن لم تعد تمر عبر قناة فصل السلط التي سيطرت على النقاشات الدستورية في الماضي ولكن عبر تشكيل صك للحريات يتمكن بواسطته المواطنين فرض احترامهم على الحاكمين، فالدستور وحسب القراءة الجديدة لم يعرف العلاقة بين المؤسسـات بـل العلاقــة بين المواطنين والدولــة.
إن الدساتير لم تعد فقط كوابح فعالة لمواجهة انحرافات ممارسي السلطة بل أيضا حاملة لمفهوم العقد الاجتماعي بالانتقال من ديمقراطية الحاكمين الى ديمقراطية المحكومين، ديمقراطية لا تروم وضـع أسس النسق السيـاسي ولكن إدمـاج بعد الفرد / المواطن داخل معادلـة اشتغلت والى حدود الآن وفق زوج سلطـة / تنظيم.
فالقراءة الجديدة للوثيقة الدستورية تعلن عن ميلاد ديمقراطية المحكومين ليس من خلال الدستور السياسي الذي يرسي الوهم بكون الحرية محمية والتمثيلية الحقيقية مضمونة ولكن عبر الدستور الاجتماعي الذي يحول الوثيقة الدستورية الى صك للحقوق والحريات ويؤسس لمجال عمومي للمواطنة خارج وصاية الدولة.
حيث القواعد الدستورية الحقيقية لاشتغال النسق تتم عبر إدماج الممارسة السياسية والاتفاقية الدستورية مما يجعل النسق الدستوري نسقا ديناميكيا في مواجهة جمود النصوص أمام تطورات فضاء اشتغال الأطراف السياسية وصراع تأويلاتهم الدستورية تحت مراقبة مؤسسـة القضـاء الدستوري الذي دخـل لعبـة الحضور والحــوار مع باقـي المؤسسـات والموكولة إليه وظيفة البناء المتزايد لصك الاجتهاد القضائي للحقوق والحريات والفصل بين المجال العمومي والسلطة السياسية بفرضـه على قـرارات الأخيرة إكـراه مطابقتهـا للدسـتور الاجتماعي.
2- من أولوية السياسي الى اولوية الدستوري:
يظهر النص الدستوري من داخل ثنائية الدستور – الانتقال الديمقراطي باعتباره نتاجا عقلانيا لإرادات الأطراف السياسية ووثيقة اتفق الفاعلون على قواعدها وفق هندسة دستورية تحمل ملامح التوافق السياسي سواء على مستوى مضمونه أو أطرافه.
فالنص الدستوري يتحول الى رهان لأطراف ميثاق الانتقال، لنقل الاتفاق السياسي الى مستوى المنظومة القانونية الشكلية ويعبر عن المزاوجة بين الشرعية والمشروعية، السياسي والقانوني حيث الاتفاق الدستوري يصبح معبرا عن العلاقات المؤسساتية وملزما لأطراف اتفقت على الاحتكام الى القواعد المكتوبة المتوافق حولها.
إن الاتفاق الغير الشكلي أو الضمني للفاعلين يصبح آلية لتأطير مسلسل خلق القواعد الدستورية لكتابة نص دستوري يعيد تشكيل فلسفة التنظيم والعلاقات بين السلط وفق جغرافية دستورية تروم تأسيس الشكل السياسي للنظام الدي اتفقت أطراف الميثاق على إرسائه.
فالميثـاق الدستوري يفـترض وجـود أطراف سـياسية تتوفر عـلى وضـع سياسي ويروم محـتواه (أي الميثاق) الى إنشاء وضع جديد، حيث الآليات الدستورية موجهة لحل النزاعات السياسية القائمة أو المستشرفة من قبل مكونات الميثاق.
إن الدستور لم يعد نصا نظريا أو نتاج شخص ترنسندنتالي منتج لسلوكات إكراهية فقط بل مرتبط بطبيعة الفضاء السياسي الذي أفرزه ورهان الأطراف السياسية وميزان القوى الذي يجعل الدستور يظهر كاتفاق على حد أدنى من القواعد السياسية والتي تتوقف عملية تأويلها على استحضار إرادات أطراف الميثاق والفكرة السياسية التي أطرت عملية الإنتاج الدستوري.
فسلطة القانون التي أراد المؤسسون إرسائها توفق بين الأولويات السياسية والمحتوى القانوني للقواعد الدستورية وتقدم لتأطير نظام متراضى حوله حامل لبصمات علاقات القوة القائمة والإيديولوجيا التي حركت أطراف التعاقد الدستوري.
3-من وضع النصوص الجامدة الى سيناريو السياسات العمومية:
نقصد بالسياسات المؤسساتية رزمانة الإجراءات التي تحمل إنتاج إجابة مؤسساتية لوضع يعتبر أنه إشكال، فالسياسات المؤسساتية تعالج تباعا: تحديد الإشكال، تشكيل حل، اتخاذ القرار، تطبيق الإجراء وتقييم النتائج.
إن مقاربة السياسات المؤسساتية للوثيقة الدستورية تعني النظر الى هذه الأخيرة من الأبعاد التالية:
* أولا: أن السياسات الدستورية هي نتاج تفاعلات / تقاطعات الفاعلين تترجم داخل فكرة سياسية تقدم كمرجع يؤسس عليه برنامج السلطة السياسية من أجل الوصول الى أهداف معينــة، إرساء قيـم، إشباع مصالح ما.
* ثانيا: السياسة الدستورية لا تتوقف فقط عند القراءة النصية للدستور ولكن تحاول تأطيره بتحليل سلوك الفاعلين والشروط التي ينتج فيها هؤلاء تصوراتهم وممارساتهم لمعالجة قضايا معينة.
* ثالثا: أن السياسة الدستورية تحيل على البعد الزمني للوثيقة الدستورية من خلال التركيز على لحظة وضع الدستور أو تعديله وإدراجه ضمن أجندة الفاعلين وقياس درجة التوافق والصراع التي تلي التسجيل في الأجندة
فالوثيقة الدستورية يتم النظر إليها من خلال هذه المقاربة كنتاج لاشتغال الأطراف داخل فضاء تصارعي / توافقي من أجل حل إشكال سياسي يحمل رهانات متباينة تترجم داخل وثيقة تقدم كبرنامج لعمل السلطات، هذا الإنتاج ليس مغلقا بل يخضع لسياسات إعادة التوزيع وسياسات إعادة التنظيم التي تحاول احتواء المتغيرات السياسية والاستجابة لمطالب الأطراف وفق ميزان القوى القائم.
إن السياسة الدستورية ورغم الطابع المتقطع ( أو الاستثنائي ) للفعل الدستوري تحاول رصد ثلاث لحظات في حياة الوثيقة الدستورية، لحظة النشأة أي لحظة ميلاد التقنين حيث يتـم التسـاؤل مـن داخلهـا ( أي اللحظة ) عن من يقرر ؟ الفضاء السياسي والإيديولوجي المقدم لتأطير هذا الفعل والصيغة التي تم بها تنفيذ قرار الدسترة، محطة التطبيق بمعنى تحليل عمل المؤسسات وتقييم مدى تجذرها وتكيفها مع متغيرات الفضاء السياسي ورصد مكامن الخلل الوظيفي عبر مقولة الأزمة فمحطة الأثمنة أو التقييم أي تقييم عمل المؤسسات ومعالجة مكامن الخلل عبر آلية التعديل الدستوري.
فالسياسات المؤسساتية تفتح النقاش الدستوري على باراديغمات القرار السياسي ونظرية اللعب، وتنظر الى الوثيقة الدستورية باعتبارها فضاءا مفتوحا لرهانات الأطراف وتصوراتهم السياسية وكوثيقة حاملة لأفق استراتيجي محدد يروم ترجمة برنامج الحاكمين من خلال آليات اشتغالهم، فالوثيقة الدستورية تتحول ومن خلال السياسات المؤسساتية الى نتاج لمعادلة ثلاثية تتكون من: الفكرة السياسية, الغاية السياسية، المساطير والمؤسسات السياسية.

الفاعلون وتأسيس الميثاق الدستوري للإنتقال الديمقراطي:
إن الوصول الى لحظة تأسيس القانون الدستوري للانتقال الديمقراطي يقتضي ابداع فضاء قادر على تمثيل جميع الاطراف المطالبة بالاتفاق على القواعد الموجهة والمحددة لكتابة النص الدستوري، فقاعدة التوافق غير قاصرة على التسوية التي تقود الى تدوين وكتابة قواعد المنافسة السلمية بين النخب لكنها تمتد قبلا الى شكل الميثاق المفضي لتسوية دستور الانتقال الديمقراطي.
1- فضاء التراضي حول قواعد اللعب: تجاوزت تجارب الانتقال الديمقراطي ما يقدمه الفقه الدستوري الكلاسيكي من آليات لوضع الدستور الديمقراطي والمتمثلة في طريقتي الجمعية التأسيسية وتقنية الاستفتاء، ومرد ذلك إلى طبيعة الوثيقة الدستورية داخل مسلسل يروم إلى تأسيس فكرة جديدة للتنظيم بأطراف متعددة وبمؤسسات توافقية قادرة على تجاوز عدم يقينية المسلسل الديمقراطي بإدخاله مرحلة التدعيم المرتبطة باعتياد اشتغال اللعبة السياسية وفق ثقافة المؤسسات.
فالتصور الذي حكم دساتير الانتقال هو مأسسة سلوك التسامح وفعل الحوار عبر الإيمان بالمحددات الثلاث للحداثة القانونية المرتبطة بعقلانية المبادئ والمساطر الدستورية، وحضور تصور صريح أو ضمني لفكرة التعاقد والإيمان بمفهوم السيادة الشعبية، لنكون أمام رؤية تسامحية للوثيقة الدستورية كنتيجة لتداول الأطراف حول آلياتها.
فالنص الدستوري داخل مسلسلات الدمقرطة لم يعد نتاجا لسلوك التصويت أو الاستفتاء ولا تجسيدا لثقافة الانتصار بل مؤسسا لتيمة التوافق التي لازمت مسلسل إنتاجه بدءا بطريقة وضعه التي تستحضر ضرورة حضور وتمثيل الأطراف السياسية وتحويل القانون إلى آلية لرسم القطيعة مع النظام القانوني والسياسي لما قبل الانتقال.
وقد أفرزت تجارب الدمقرطة نماذج متعددة لتأطير التوافق، "فالحمى الدستوريـة" قد واكبتـها تغييرات عميقـة في شروط وممارسة السلطـة التأسيسية من قبيل:
- نظام المؤتمرات الوطنية أو الدمقرطة عن طريق المؤتمر الوطني: ارتبطت فكرة المؤتمر الوطني بتجارب الانتقال الديمقراطي بإفريقيا وقدم على انه نتاج فقدان النظام للشرعية أمام أنظار المحكومين، ليتحول الى هيأة للتوافق والاقتراح بامتلاكه لسلطة تأسيسية تخول له ليس فقط وظيفة الإصلاح ولكن تغيير النظام وتأسيس منظومة قانونية قادرة على تحقيق تصالح المجتمع مع ذاته ومنح شرعية جديدة للعلاقات القائمة بين الحاكمين والمحكومين.
فالمؤتمر الوطني يعد منتدى واسع للبحث وبشكل جماعي عن حل سياسي وتوافقي للأزمات التي يجتازها نظام ما قبل الانتقال، فهو يؤرخ للحظة مرور الأنظمة السياسية الأفريقية من النظام الأحادي الى النظام التعددي وفق آليات التوافق والتعايش على اعتبار أن المؤتمر الوطني ينظم من قبل السلطات التي عليها أن تغادر الحكم ومطالب منها أن تتفاوض مع الأطراف الديمقراطية ( المعارضة تحديدا ) لوضع قواعد شرعية جديدة وتأسيس لمرحلة الديمقراطية ودولة القانون.
وفي غياب لنص قانوني ينظم طريقة اشتغال المؤتمر الوطني فقد استقرت التجارب المقارنة على ضرورة وجود جلسة عمومية تقدم فيها الأطراف السياسية وجهات نظرها حول الأزمة ومقترحات للإصلاح قبل أن تشكل لجان توكل اليها مهمة إصلاح المؤسسات وتدبير عملية الانتقال عن طريق وضع دستور جديد وتنظيم انتخابات تعددية.
- الميثاق الدستوري والتوافق على الدستور المؤقت: يتأسس هذا النموذج انطلاقا من مفاوضات الأطراف السياسية داخل إطار معين يتم بمقتضاه الاتفاق على الحد الأدنى من المبادئ الدستورية تلهم واضعي الدستور النهائي وتشكل مقتضياتها ( أي المبادئ ) مضمون الحظر الموضوعي في الدستور، بمعنى أن الأطراف السياسية تقيد اشتغال السلطة التأسيسية الأصلية بحدود مرجعية شكلت مضمون الميثاق الدستوري.
فالمسلسل الدستوري بجنوب إفريقيا مثلا، قد انطلقت أشغاله من خلال إطار CODESA الذي جمع بين المكونات السياسية الراغبة في أن تكون ممثلة فيه واتفقت على وضع دستور مؤقت يكون محل نقاش عمومي مفتوح قبل وضع دستور نهائي يراعي احترام المبادئ 34 التي نظرت إليها الأطراف السياسية كنتاج للتسوية الدستورية المتوافق حولها.
هذه التجارب المقارنة يمكن لها أن تقدم ثلاثة أسس لاختيار الفاعلين لطبيعة فضاء التوافق في السياق المغربيوهي:
* أن تكون طريقة وضع الدستور تسمح بتعايش الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ومكونات المجتمع المدني في إطار هندسة واضحة لدوائر الاختصاص وفي احترام لمبدأ " التمثيل الذاتي " الذي يعلن عن نهاية آلية " الوصاية" الموظفة في الوثائق الدستورية الكلاسيكية.
* جعل المكنات الدستورية تؤدي وظيفة تجديد " التعاقد الدستوري " بإبعادها عن المضمون الضبطي / التنظيمي وخدمة مشروع المصالحة المؤسس على أنقاض القطائع مع آليات وطريقة اشتغال التنظيم السياسي لمرحلة ما قبل الانتقال الديمقراطي.
* نقل التوافق من مستوى الآلية القبلية لوضع الدستور الى آلية لاشتغال الدستور نفسه, عبر استحضار المؤسسات الدستورية والسياسات العمومية لروح التوافق التأسيسي.
2- مبدأ التمثيل الذاتي للفاعلين:
تروم آلية التمثيل الذاتي الى ضمان حضور مختلف الاطراف السياسية والاقتصادية والمدنية ومحتكري العنف المشروع في مسلسل صياغة الدستور، فبعيدا عن منطق الوصاية واعتبار عمل وضع دستور عملا سياديا او فنيا لتبرير عملية الانتاج القانوني، تظهر فكرة التمثيل الذاتي لضمان مصالح جميع الاطراف في المشاركة في صياغة القانون الأسمى والبحث عن مكانة لها داخل إطار ظل مؤمنا بمركزية القرار وأحاديته.
المؤسسة الملكية: إن طرح سيناريو تشكيل المؤسسة الملكية لنواة الميثاق السياسي للإنتقال الديمقراطي، ينطلق من الفضائل التي يمكن للديمقراطية أن تمد بها المؤسسة الملكية ومدى اقتناعها بكون سؤال الاستمرارية مرتبط باكتساب شرعية ناتجة عن قيادةعملية التحديث والدمقرطة، تؤهلها في ذلك خصائصها التي تجعل منها الفاعل الوحيد المتمع بوضع " المؤسسة " وعدم ارتباط شرعيتها بتقلبات الرأي العام وتعدد الخطاطات التي تستقي منها مبررات إجاباتها عن سؤال باسم ماذا تحكم ؟, كما أن وضعها كحكم فوق الفرقاء يمنحها مكنات إدارة عملية صياغة ميثاق قادر على تأسيس أرضية للتوافق بين المكونات المشكلة له لإنجاح مسلسل الانتقال الديمقراطي.
فمرحلة الانتقال الديمقراطي كمرحلة أزمة لاتطرح فقط مدى مساهمة وضع المؤسسة الملكية في قيادة عملية التغيير والدمقرطة والنتائج الممكنة عبر توظيف خصائصها المؤسساتية التي تمنحها امكانية الادماج والتعبير والتمثيل ولكن أيضا إكراه إعادة تشكيل " المنشآت " والدخول في مسلسل مأسسة حقيقية باستبدال الأنماط التقليدية للشرعية بأخرة تتأسس عبر طلب القانون.
إن خاصية المؤسسة لدى الملكية الناتجة عن تجذرها الاجتماعي وتعدد واجهات الشرعنة وعدم ارتباطها بتنافسية التحالفات السياسية، تجعل منها فاعلا قادرا على قيادة مسلسل الدمقرطة الذي سيمنحها شرعية موازية لشرعية مؤسسات النظام السياسي لمابعد الانتقال بتعويض آليات التسخير والإنشاء الموظفة في مواجهة الأحزاب السياسية والتأويلات التقليدانية للدستور بمنطق جديد لقواعد اللعبة يتأسس عبر الاحتكام الى القانون.
فالمستويات المشكلة للشرعية والتي تحيل على خطاطة تقليدية لتفسير سلوك الولاء أو استنادها على منافع مرتبطة بأنماط المكافآت المميزة للانظمة البترمنيالية, يطرح مدى قدرتها على جعل المؤسسة الملكية تنتقل من نموذج للإستقرار والاستمرار الى مؤسسة حاملة للتغيير ؟ خصوصا وأن مستقبل الديمقراطية بالمغرب يبقى مرتبطا بإرادة الملك في تنميتها, بمعنى مدى وجود أزمة داخل تركيبة الشرعية تجعل الملكية تقدم على تجديد آلياتها عبر شرعية ديمقراطية.
إن مسلسل البحث عن مصادر جديدة للشرعية يمر خارج معادلة الديمقراطية، عبر تمطيط الاشتغال وفق آلية المواثيق المؤسسة على توافقات ضيقة في المجالات السياسية والاجتماعية أو عبر مأسسة فعل " التضامن " بجعل التدبير الاقتصادي والاجتماعي يحتل اكثر فأكثر حقل الصراع السياسي، ومن تم فإن الإبقاء على تشغيل تركيبة " الشرعية الموروثة " يظهر فقط كحل مؤقت أمام تأزم نظام المكافآت وتنامي خطاب اللبرلة وتأهيل المقاولة الذي يمر عبر تفكيك الإدارة المخزنية للاقتصاد والاستجابة لمتطلبات المجال الخاص للمواطن.
فالديمقراطية كفكرة وكآليات بإمكانها منح شرعية جديدة للمؤسسة الملكية حينما تعتقد هذه الأخيرة بأن الديمقراطية لا تقتل فكرة الملكية وإنــما تنقذها بجعلها حاميا للنظام ( ordre ) المؤسس عبر التنافسية التي تسمح بها القواعد الديمقراطية ومنحها شرعيات الفاعل / الوسيط المتوفر على وظيفة حماية السير المنتظم للقواعد الدستورية.
الملك كفاعل داخل مسلسل الانتقال الديمقراطي المؤسس عبر قبول مكونات الميثاق الملكية كنمط للحكم وخصالها الذاتية سيؤدي الى اكتشاف: السمو، التمثيل، الرمز... ليس من داخل الحقول الدينية، التقليدانية، الشخصانية بل وفق مرجعية ديمقراطية تجعل المؤسسة الملكية فاعلا عاديا في الحقلين السياسي والدستوري وفق قواعد وضوابط قانونية تسمح بميلاد المؤسسة من داخل حقل الشرعية المجتمعية.
الفاعلون الاقتصاديون ومشروع دولة القانون اللإقتصادي: فرضت خوصصة المؤسسات العمومية على الدولة أن تتوارى في تشكيل العقد الاجتماعي الجديد وأن تترك مكانها في تدبير النزاعات الاجتماعية لفئة المقاولين التي تحولت من دور اللوبي الى دور الشريك الاستراتيجي في هندسة السياسات الاجتماعية بمجالات مرجعية جديدة تؤمن بالحوار الاجتماعي بدل الصراع الطبقي وبعلاقات مهنية بعيدة عن تأثير الأحزاب التي سحبت منها ورقة المركزيات النقابية منذ اتفاق فاتح غشت لسنة 1996.
فالمشاركة في الحوار الاجتماعي قد منح الباطرونا اعترافا من قبل الدولة و النقابات بمكانتها في هندسة العلاقات الاجتماعية خصوصا وان الفاعلين الاقتصاديين لم يبرزوا من الهامش ولكن من الأوساط السوسيوسياسية المدمجة على الخصوص في النخب السياسية والاقتصادية, ولتأكيد دورها كشريك اجتماعي عمل الاتحاد العام للمقاولات بالمغرب على جعل المقاولات شأنا مجتمعيا ببلورة معجم يتأسس على تعابير المواطنة الاقتصادية، المقاولة المواطنة فالشراكة الاستراتيجية.
إن شرعية الوساطة لدى السلطات العامة التي يتوفر عليها الاتحاد العام لمقاولات المغرب ستمتد الى فضاءات فوق وطنية جعلت من الاتحاد ممثلا للقطاع الاقتصادي المغربي في البروتوكالات الدولية ومحفزا للشراكة الاوربية ومستقطبا للرساميل الاجنبية.
الى جانب الشرعية الاجتماعية، تظهر عملية مأسسة الباطرونا كمنافس للبنيات التقليدية للوساطة السياسية فالفاعلون الاقتصاديون منتظمون في إطار اتحاد عام يجد امتداده بغرفتي البرلمان التي أطرت مقاولتية الولاية النيابية مما جعل خطاب المقاولات يتجاوز حدود الدفاع عن المصالح الخاصة لفئة المقاولين بالتحول الى قوة اقتراحية تعرض مواقف الاتـحاد على المدبرين السياسيين
وبالتالي هل تستطيع، هذه الشرعيات المكتسبة ( الوساطة / التمثيل ) أن تمنح امكانية الاستقلالية عن السلطة السياسية التي عملت على تأطير مسارهم منذ البداية وكيف سيشتغلون في نظام مغلق يتأسس على مبدأ هيكلة عمل الآخرين ؟
فهم بروز المقاولين كفاعلين جدد، بوجود اتفاق ضمني مع السلطة السياسية شكل اتفاق فاتح غشت و انتخابات 1997 عناوين رسمية لمأسسته في امتداد لمنطق الصفقات السياسية التي أوكلت للمقاولين وظيفة الدفاع عن العرش في مقابل استمرار الحماية الدولتية للرأسمال الخاص، إن هذا التأويل يستحضر المنطق الذي يحكم التدبير الاقتصادي بالمغرب ويرصد عملية دخول الفاعلين الاقتصاديين الى الساحة العمومية تحت إشراف من الدولة بدءا بإعادة هيكلة الاتحاد العام لمقاولات المغرب، فمسلسل الحوار الاجتماعي، فالتعديل الدستوري لسنة 1996 الذي وسع من دائرة القانون الدستوري الاقتصادي وأعاد النظر في آلية التمثيل السياسي.
فالدولة من خلال منطق الريع تحاول أن تهيكل المقاولين داخل فضاء الدفاع عن العرش وأن تبعدهم عن مطلب دولة القانون الاقتصادي حيث تتحول علاقات مقاولين / دولة الى علاقات قانونية تحتكم الى الشكلانية القانونية التي ستظهر كمسوغ وحيد لتأطير سوق تنافسية حقيقية تعلن نهاية دولة الريع المؤسسة عبر النظر الى الاقتصاد كممول للتحالفات السياسية.
المؤسسة العسكرية ووظيفة الدفاع عن الوطن: أعادت حرب الصحراء وبشكل جذري رسم مكانة المؤسسة العسكرية داخل الفضاء السياسي متجاوزة بذلك السقف الدستوري الذي يجعلها مرتبطة بشخص الملك الحامل للقب القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، فالمؤسسة العسكرية قد اكتسبت شرعية جديدة هي شرعية المدافع عن الوطن في دائرة حدوده الحقة وزاحمت أحزاب الحركة الوطنية في رأسمالها الرمزي المترتب عن انتمائها الى فضاء الشرعية التاريخية، وتحول رجالات المؤسسة العسكرية سواء في أنظار الأحزاب أو المواطنين الى رموز وطنية ( ظاهرة إطلاق أسماء الضباط على الشوارع
أما معادلة التمثيل فتحيل على الانتقال مـن تمثيلية الأجيـال ( جيل الضباط في الجيوش الفرنسية، جيل محاربي جيش التحرير) وتمثيلية القبائـل ( القبـائل الامازيغيـة ) الى تمثيليـة الأمـة المغربيـة ( بعد قبول القبائل الصحراوية ضم أبنائها الى المؤسسة العسكرية ) خالقة بالتالـي تمثيليـة جديدة الـى جانب التمثيليـة الدستوريـة الساميـة والدوريـة، فالمؤسسة العسكرية قد استطاعت أن تتجاوز السقف الدستوري والفهم النيوبترمنيالي وأن تستشرف امكانية الوصول الى تمثيل ذاتي مبني على شرعية الفعالية والتمثيل الحقيقي للأمة، وتطرح نهاية حرب الصحراء فرضية عودة الاشتغال السياسي للجيش وهي الوظيفة التي حجبتها سنوات الحرب التي أظهرت بالمقابل نخبة الجيش كفاعل اقتصادي من خلال نمط المكافآت الذي استجاب لمطالب الرفاه المادي لهذه الفئة، فالتفكير في فترة مابعد الصحراء يمكن أن يستشف من خلال الأدوار الدولية الموكولة لهذه المؤسسة.
تستحضر المؤسسة العسكرية داخل معادلة الانتقال الديمقراطي من خلال معطيات أن مؤسسة الجيش ومن خلال طقس البيعة قد وضعت الى جانب المؤسسات الدستورية المدنيــــة ومراقبته لجزء غير هين من الاقتصاد مما يسمح له بالتخلي عن ميزانية الدولة، لكن أزمة نظام المكافآت ستعيد المطالب المادية للجيش الى الموازنة الدولتية وبالتالي خلق الصراع مابين الاجتماعي والعسكري، إضافة الى أن تمثيلية العسكريين في اتخاذ القرار غير ممأسسة إذ تغيب الشكلانية القانونية في العلاقات الوظيفية بين السياسيين والعسكريين ويغيب تحديد العسكريين الذين يلجون يوميا الى السياسية.
فالزمن النقذي قد أعاد النقاش حول المؤسسة العسكرية، علاقتها بأحزاب الحركة الوطنية التي استحضرت نخبة الجيش أثناء التحضير لعملية التناوب, كما أن ظاهرة الاحتجاج قد امتدت لتشمل محتكري العنف المشروع الذين بلوروا خطابا يدعو الى التحديث والشفافية..... وتحول الجيل الجديد من الضباط الى رموز لرفض الأسس التي قامت عليها المؤسسة العسكرية في إطارها الباترمنيالي.
مكونات المجتمع المدني وتشكيل الوزن المضاد للمجتمع السياسي: في مقابل جمود وانتظارية المجتمع السياسي، تمكن المجتمع المدني بفعل دينامية وسرعة التحولات الاجتماعية من تشكيل وسيط ثالث غير دولتي ولاحزبي ساهم في توسيع المجال الخاص وإعادة تشكيل المجال العمومي بنقله سؤال الانتقال الديمقراطي من مستوى النخبة الى المجتمع التي وعت مكوناته بأهمية الفعل في الواجهة السياسية عبر أشكال المشاركة السياسية ومراقبة العمل العمومي.
إن المجتمع المدني كشكل جديد للوساطة الاجتماعية، الثقافية وكذا السياسية قد ساهم في إعطاء دلالات إضافية لاشكالية الدمقرطة من خلال الاشراف على إبراز ونمو التعددية وتوسيع الحقل السياسي بانضمام فاعلين اجتماعيين جدد وتحويل الديمقراطية الى سؤال يومي عبر مقولة " الديمقراطية اليومية " وظهوره بمظهر اللوبي لدى المؤسسات الوطنية والدولية.
فشرعية المجتمع المدني لم تعد تطرح كمقابل لأزمة المجتمع السياسي، بل تتأسس عبر خصاله الذاتية وآليات اشتغاله ودوره في مسلسل الدمقرطة عبر تمثلات: تغيير المساطير المؤسساتية بدمقرطة النظام السياسي، تأسيس دولة القانون باحترام الحقوق والحريات الفردية والجماعية وتطوير المواطنة عبر مشاركة المواطن في تدبير الشان العام، إنها تمثلات تخترق مطالب تسوية ملف الماضي، الاعتراف بالتعدد الثقافي والمساواة القانونية بين الجنسين، هذه المطالب التي أعادت وبشكل قطاعي طرح سؤال الوثيقة الدستورية الذي انتقل من فضاء العلاقة مابين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية الى المجال العمومي عبر مطالبة مكونات المجتمع المدني بوضع دستور ديمقراطي وتفعيل معادلة استقلال القضاء.
إن تسريب قيم الحداثة / الفردانية / المواطنة، قد جعلت المجتمع المدني يسمو الى إيجاد نموذج جديد للدولة بحكم بروز ملامح قدرته على فرض التغيير الذي لم يكن نتاجا فقط لإرادة من أعلى لانفتاح النسق السياسي وتأثيره في التحولات السياسية والقانونية الكبرى للمجتمع، مما حدى بالدولة الى إشراكه كطرف في الحياة الوطنية ومنحه مجالا للتمثيل الى جانب الأطراف التقليدية للتمثيل السياسي ودعوته الى المشاركة في الفضاءات المؤطرة للأوراش الكبرى للإنتقال الديمقراطي من قبيل: أسئلة الحقوق والحريات، معادلة المساواة بين الجنسين، التعليم والتعمير ….
فقوة المجتمع المدني وقدرته على تشكيل سلطة مضادة للمجتمع السياسي لم تعد تقرأ من مداخل ضعف الدولة في نموذجها التدخلي ولا في أزمة وظيفة الوساطة ورفع المطالب بالنسبة للأحزاب السياسية بل في قدرة المجتمع المدني على التعبئة وقوته الاقتراحية وتمكنه من الخروج من وصاية المجتمع السياسي وتقديمه لبديل لها على مستوى البنية والهيكلة التنظيمية وبخطاب حداثي مؤسس على مرجعية الحقوق والحريات.
إن حدود الاشتغال الغير الذاتية والمرتبطة بقواعد النسق العام الغير ديمقراطيـة، قد جعلت مكونات المجتمع المدني تصيغ خطابا احتجاجيا حاملا لمقترحات بديلة خارج التعامل الأداتي الدولتي وطرح أسئلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر مقاربــة للديمقراطيـــة لاتحدهـــا في السقف السياســي بــل تنقلهــا الى العلاقات الاجتماعية عبر قنوات الأسرة، المقاولة … في مواجهة القواعد الدستورية الثيوقراطية والحدود السياسية المرسومة لتدخلاتها.
التيار الاسلامي: عملية البحث عن التميز والخصوصية من داخل الحقل الحزبي المتسم بغموض الإيديولوجيات وبغيـاب الـمشاريـع المجتمعيـة قادت حزب الـعـدالـة والتنـميـة الى الـمرور مــن " المساندة النقديـة " الى "المعارضة الناصحة" لحكومة التناوب، هذا التغيير على مستوى الدور داخل المؤسسة التشريعية والغير معبر عن تغيير جذري في مواقف الحزب، سيجعل تنظيم حزب العدالة والتنمية يبدأ في الاشتغال كحزب ديني في مزاوجة بين استراتيجيتين هما: استراتيجية المؤسسات واستراتيجية الشارع لخدمة مشروع الحزب الهادف الى أسلمة الدولة والمجتمع.
الوثائق المؤسسة للحزب وتقديمه دون القطيعة مع أصوله التاريخية واعتبار التحاق أعضاء الجماعة بصفوفه مجرد ولادة جديدة لا تحجب صفة الحزب الديني عن تنظيم حزب العدالة والتنمية، حيث مبادئه تروم الى " الانطلاق من المرجعية الاسلامية كأساس للمشروع الإصلاحي ودعم الهوية الاسلامية للدولة المغربية"، وعملية الانتقال من " المساندة النقدية الى المعارضة الناصحة " برر بكون حكومة التناوب ذات "توجهات علمانية مقلدة ذائبة في توصيات المنظمات الغربية وتوجيهاتها فيما يخص الأسرة التي تناقض تماما نظرة وتصور ديننا الحنيف لهذه الخلية المجتمعية" بل ويختزل حصيلة فريقه النيابي في "الدفاع عن الهوية الإسلامية للمغرب ومواجهة الانحراف عنها".
إن الممارسة السياسية قد جعلت حزب العدالة والتنمية لا يظهر بمظهر المؤزم لوضع الحركات الاسلامية الرافضة لقواعد وآليات اشتغال النسق السياسي بل كحركة دينية احتجاجية من داخل المؤسسات وكفاعل يبحث عن انهاء احتكار التعبير عن المقدس من طرف الدولة، فالعمل الحزبي قد بين عن التعامل الأداتي مع مفاهيم الديمقراطية والدستور وعدم الإيمان بها كأفكار لذاتها والاستعاضة عنها بمعجم يقوم على الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامــة الحكم الراشد
إن مشروع أسلمة الدولة في أفق إرساء نموذج " الحكم الراشد " يمر عبر قراءة ثيوقراطية لا ترى في النص الدستوري سوى الفصل السادس، فعملية تأويل هذا المقتضى الدستوري تتم دون ربطه بباقي الفصول الدستورية من قبيل الفصل 19 الذي يزيل تضارب التأويلات المترتبة عن صيغة " دين الدولة " بحكم تقديم الملك " كضامن لاستمرارية الدولة "، فحـزب العدالـة والتنميـة يطـالب بأن تكـون " جميع الأحزاب إسلامية " ويرسي تأويلا جديدا لوظيفة إمارة المؤمنين ويدعو الى إدماج العلماء كأطراف في المجال السياسي واستبدال آليات التشريع بتقنية الإفتاء.
تأويل الوثيقة الدستورية لإعادة النظر في قواعد اللعبة السياسية بتشكيل مجال ديني مضاد والعمل على إنهاء احتكارية الدولة لوظيفة الإشراف على الحقل الديني وتحويل إمارة المؤمنين الى رموز تشريفية في مقابل وجود هيأة للإفتاء سيؤدي الى التفكير في إعادة هيكلة المجال الحزبي عبر توظيف آلية الضبط القانوني لإزاحة الشرعية عن الأطراف المؤسسة لخطابها السياسي على استثمار الخطاطة الدينية ليس فقط للاحتجاج على السياسات العمومية للدولة بل في الانخراط ومن داخل مسلسل المشاركة في الحياة السياسية على تأسيس لنموذج نظام ومجتمع مغلوقين
إن قاعدة اشتغال النسق السياسي المغربي بمكون " التيار الإسلامي المعتدل " قد تعرضت للاهتزاز، عبر عدم تمكن مسلسل المأسسة والمشاركة في الحياة السياسية الرسمية من إدماج حزب العدالة والتنمية في اللعبة السياسية والاشتغال وفق قواعدها المتوافق عليها والقبول بمبدأ التنازلات الذي شكل القناة التي جعلته يندمج في التنظيم السياسي الرسمي، فالوثيقة الدستورية لم تستطع منع بروز فاعل يعمل على توظيف " الاسلاموية " كإيديولوجيا للصراع.
الأحزاب السياسية: سيمكن غياب أحزاب يمينية قوية من استمرار أحزاب الحركة الوطنية في اختزال التنظيمات الحزبية المغربية ومن تم استمرار مرجعيتها التاريخية في الاشتغال على مستوى الشرعية وتقديم معادلة التعاقد التاريخي لتاطير التوافق مع رأس التنظيم السياسي وضبط عملية المرور الى تنظيم سياسي جديد.
فتوازن النسق السياسي المغربي، قد انتقل من معادلة الصراع بين الملك / أحزاب الحركة الوطنية الى معادلة توافق الطرفين الموظفة في لحظات الأزمة، حيث شكلت الخطاطة التي بمقتضاها تمت التعبئة لاسترجاع الصحراء وإعادة إدماج التشكيلات السياسية في المسلسل الانتخابي، كما مكن الطرفين من الاتفاق حول استعجالية الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية في أعقاب نشر تقرير البنك الدولي لسنة 1995 ومهد أيضا من خلال تجربة التناوب الى تحقيق سلمية عملية انتقال الملك.
إن ترسيخ " ثقافة التسوية " من خلال إعادة تشغيل البعد التعاقدي في اللعبة السياسية المغربية، قد أدى الى جعل الميثاق قاعدة سياسية عادية بخصائص معينة تتمثل في ضمنية هذه المواثيق وعدم تحويلها الى مواثيق صريحة، كما أن وظائفها قد ابتعدت ومن خلال تمثلاتها التاريخية عن تقديم مداخل قانونية ومؤسساتية لانجاح المسلسل الديمقراطي الذي بقي في مستوى الخطاب السياسي لأطراف اللعبة السياسية منذ أواسط السبعينات.
لكل ذلك، هل يمكن لهذه المعادلة أن تقدم كآلية لتحقيق الانتقال الديمقراطي ؟ أم أن توظيفاتها التاريخية تجعلها غير قادرة على الانتقال من مستوى شرعنة التنظيم السياسي القائم الى مستوى تقديم قواعد جديدة لاشتغال الحقل السياسي المغربي ؟ وهل الزوج ملك / حركة وطنية قادر على اختزال تركيبة أطراف اللعبة السياسية ؟
إن أزمة آلية التعاقد التاريخي لا تكمن فقط في مستوى الفضاءات التي تمنحها والحدود المرتبطة بإعمالها ولكن أيضا بتركيبة أطرافها حيث لم يستطع ورثة الحركة الوطنية التحول الى قطب سياسي يقطع مع أشكال الشرعية التقليدية ويبلور ثقافة سياسية جديدة قائمة على الديمقراطية والفعالية، كما أن فشل دوران النخب على مستوى بنياتها الداخلية وصعوبة تصريف تناقضاتها عبر قنوات الديمقراطية الداخلية قد جعلها تعيد إنتاج خيار " الانشقاق " الذي لم يستطع إطار الكتلة احتوائه.
كما أن المرور من دور المعارضة الى لعب دور الأغلبية من خلال تجربة التناوب، لم يتسم بترجمة خطابها الإصلاحي خصوصا في شقه الدستوري والمؤسساتي، إذ بقيت نخبة التناوب في مستوى وظيفة التدبير ووفق سقف مؤسساتي وقواعد لم تحمل تأويلات جديدة تعكس التغيير الذي طال النخبة الحكومية والقواعد الدستورية والسياسية التي اشتغلت سابقا خارج معطى التناوب.
3- تحديد قواعد كتابة الوثيقة الدستورية: نقصد بسؤال تحديد قواعد كتابة الوثيقة الدستورية، ايجاد اتفاق قبلي على المحددات التي تشكل أرضية كتابة النص الدستوري، فباستثناء فكرة ضمان السمو القانوني والسياسي للمؤسسة الملكية، لانجد فكرة اخرى تحرك المشرع الدستوري المغربي، إن هذا الاتفاق على هذه القواعد يحيل في العمق الى الاتفاق على طبيعة دولة مابعد الانتقال والتراضي على الأسس العميقة لبرامج المدبرين لحكومات دولة الانتقال الديمقراطي.
ويمكن اعتبار الايمان بقاعدة " عدم الانتصار " أهم فكرة لتجاوز حالة الدساتير المغربية السابقة المبينة على مقولة " المنتصرين " بتأسيس لحقل سياسي ذو مركز واحد حيث العمل الدستوري لا يتم دون حضوره المادي والرمزي، كما ان استبعاد امكانية التأويل الدستوري وحكرها على المؤسسة الملكية قد ولد قراءة وحيدة للنص الدستوري وشرعنة لمعنى واحد للنص بعيدا عن تعددية وتنافسية القراءات، كما أن آلية " المصالحة " تتحول في دساتير الانتقال من آلية لتجاوز انتهاكات حقوق الانسان في زمن "اللاديمقراطية" الى قاعدة دستورية تمكن من إدماج الأطراف المؤمنة بفضائل التوافق وتجنب الإقصاء.
أما قاعدة " التعددية " فتمكن من تجاوز " وهم الوحدة " الذي يخترق الدستور المغربي، فالتعددية لاتحيل فقط على تعددية مراكز القرار والسماح بميلاد أطراف عدة ولكن أيضا الى ضمان تعددية المرجعيات واللغات والسماح بأشكال تدبيرية للمجال بعيدا عن المركزية.
وتبقى قاعدة منح الشرعية للعمل الدستوري أهم قاعدة لانجاح التوافق المجتمعي على الوثيقة الدستورية، حيث ضرورة البحث عن صيغ لتسريب النقاش الدستوري الى القاعدة المحكومة ومنحها إمكانية المشاركة في التداول والتقرير بعيدا عن المواثيق الضمنية والتوافقات الهادفة الى إقصاء الجماهير والاستفتاءات على شخص واضع النص، إن الشرعية المجتمعية يجب أن تواكب لحظات ميلاد النص وأن تكون سلطتها أيضا نهائية.

القواعد الدستورية لدستور الانتقال الديمقراطي:
يطرح التغيير الدستوري داخل سيناريو الانتقال الديمقراطي بالمغرب، مدى قدرة الميثاق السياسي على صياغة اتفاق وانتاج وثيقة دستورية تمكن من تأطير الفضاء السياسي المغربي لمرحلة الانتقال الديمقراطي، وثيقة تعيد الدستور المغربي الى إطار الدستورانية وتتجاوز أزمات الفكرة والممارسة الدستوريتين التي جعلتا القواعد الدستورية غير قادرة على تشكيل كوابح لآليات اشتغال النظام السياسي المغربي.
إن شكل الميثاق السياسي المفرز لوثيقة الانتقال يبقى سؤالا غير علمي ومعرقل ومرتبط بتفكير الأطراف السياسية وقدرتها الابداعية والمجال المسموح به لاستلهام تجارب الانتقال الدستوري التي قدمت نماذج المؤتمرات الوطنية، الندوات الوطنية...كفضاءات لوضع دساتير أنظمة ما بعد الانتقال في تعايش بين إرادات أطراف الانتقال والشرعية الانتخابية بترك هوامش للقواعد المحكومة لمنح ثقتها لوثيقة راسمة للقطيعة مع الماضي وحاملة لأفق قانوني للنظام الجديد.
فالوثيقة الدستورية المتخذة كمدخل لفرضية الانتقال الديمقراطي بالمغرب هي الوثيقة القادرة على دسترة شرعية غير تقليدية للمؤسسة الملكية ومجيبة على سؤال المأسسة المتخذ من فصل السلط قاعدة له والمعيدة لتشكيل هوية دولة خارج فكرة المركزية بالاعتراف بالتعدد من داخل الوحدة عبر ميكانزم الجهوية والفدرالية.

1- دستور الحقوق والحريات:
هل يمكن لتعايش التركيب خصوصية / عالمية أن يستمر في الاشتغال على مستوى الوثيقة الدستورية ؟ أم أن هذه القاعدة الدستورية تقف عائقا أمام احترام الالتزامات الدولية والخطاب السياسي للدولة المنسوج حول تيمات دولة القانون، حقوق الانسان؟ وهل يمكن للمرجعية الدولية للحقوق التي تستند عليها الحركات الحقوقية أن تخلخل البنية الدستورية للخصوصية وتؤسس على أنقاضها فكرة دستورية جديدة منفتحة على المعاهدات الدولية وبيانات الحقوق العالمية ؟
لم تعد الحركات الحقوقية ومكونات المجتمع المدني تستند في خطابها الاحتجاجي على مطالبة الدولة بتجاوز مستوى الإعلان عن الإرادة بتفعيل وثائق الحقوق والحريات ونقلها من مستوى شكلانية النصوص الى إعمالها كقواعد ضابطة للفعل السياسي، الاقتصادي والاجتماعي بل أصبحت ترفع مطالب تروم الى ترجمة التزامات الدولة المنتمية الى القانون الاتفاقي على مستوى القواعد الوطنية وتلميع صورة المغرب ليس فقط في مواجهة الأطراف الدولية بل أيضا أمام أنظار القاعدة المحكومة.
فأشكال التحفظ الدولتي، وتقديم مبررات الخصوصية الثقافية، لم يمنع هذه الأطراف على الاحتجاج وإن خارج مقتضيات البناء الوطني على الدولة ووفق ثقافة حقوقية تتجاوز الحقوق المنتمية للجيل الاول والثاني لحقوق الانسان بل وتتم عملية تقويم السياسات العمومية الحقوقية في استحضار لفضاءات العالمية وتوصيات المؤتمرات الدولية وبنود من إعلانات الحقوق، مما يشكل ميلاد فضاء مضاد للسقف القانوني الدولتي وإن كان يستمد شرعيته من تأويل موسع لمقتضى دستوري بقيت دسترته في مستوى ديباجة الدستور.
إن المجال العمومي للحقوق، قد أسس لثقافة حقوقية جديدة لم تعمل سياسة التعديل الدستوري على إدماجها من قبيل الحقوق الثقافية واللغوية وحقوق الشعوب الأصلية وحقوق المرأة التي لم تتجاوز مبدأ المساواة الذي لم يفعل ولم يعد انتاجه في المستويات القانونية تحت دستورية ( مدونة الأحوال الشخصية نموذجا )، كما أن خطاب المصالحة الوطنية يوضع خارج استحضار المقتضيات الدستورية واستلهام تجارب الانتقال الديمقراطي وقواعد الإنصاف والعدالة، في حين يتم تقييم المؤسسات الوطنية المشرفة على مجال حقوق الإنسان في مدى احترامها للمعايير الدولية والقوانين الداخلية في مدى تأثرها بالمبادئ الكونية كمبدأ الحق في محاكمة عادلة.
فهذا التباعد بين الفضاء القانوني الدولي والفضاء القانوني الدولتي لم يؤد الى تغيير في فكرة اشتغال ومرجعية السياسات العمومية للدولة في مجال حقوق الانسان، بل ولد رد فعل تقليداني يرمي الى احتواء المطالب الحقوقية من خلال توظيف آلية الفصل 19 وتشكيل منشآت استشارية بإحداث المعهد الملكي للثقافة الامازيغية، ترميم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، اللجنة الملكية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية وديوان المظالم في استقرار للبناء الدستوري وفي استمرار التمسك بالخصوصية.
مما يجعل الوثيقة الدستورية الحالية غير قادرة على تشكيل مدخل لتأسيس دولة المواطنة وصكا للحقوق والحريات بتفضيلها الانغلاق على الخصوصية وعدم ترجمتها لتطورات فكرة الحقوق التي أصبحت عنوانا للشرعية في شقيها الوطني والدولي، كما أن استمرار التأويلات التقليدانية للنص الدستوري والإجابات الدولتية الغير المنفتحة على العالمية، يعني تأبيد اللاتوافق بين مشروعين مجتمعيين متباينين الأول يقوم على توليفة المسوح الحقوقية الحداثية ومجتمع الرعية والثاني مؤسس على مبدأ المواطنة ويروم الى إنشاء دولة المواطنة من خلال تحديث الحقوق والحريات.
إن البنية الدستورية القائمة على المصالحة مع التقاليد المحلية والقيم الدينية قد أدت الى تداخل الديني والدنيوي، السياسي والديني وأفضت الى تشكيل مجال عمومي يقصي فكرة اللائكية مما أدى الى فشل الوثيقة الدستورية في تشكيل مدخل للتحديث في وقت تظهر فيه البنية القانونية تحت دستورية مبتعدة بشكل كبير عن المرجعية الدينية، مما يشكل نوعا من " العلمانية الضمنية " الناتجة عن تعايش النصوص ذات الأصلين الديني والوضعي.
فاللائيكية لازالت تطرح بشكل محتشم ولم تتحول بعد الى رهان سياسي لأطراف اللعبة السياسية الذين يستعيضون عنها بمقولة " تجديد التأويل الديني" الموظفة بشكل دفاعي في مواجهة ظاهرة الاسلام السياسي، مما يعني تجديدا للمصادر الرئيسية للشرعية وعدم التفكير في إعادة النظر في القواعد المؤسسة للنظام (ordre) السياسي والمحتوى المعطى لمفاهيم: الأمة، الدولة، القانون.
إن النموذج الذي حاولت الوثيقة الدستورية صياغته والذي غابت عن إيديولوجيته المهيمنة فكرة اللائيكية لم يعد قادرا على تأطير حقل سياسي تظهر فيه أطراف جديدة يشكل المقدس هويتها السياسية وتنطلق من فهم جديد للاسلام يزيح عن اسلام الدولة وممثليه الشرعية، مما يجعل القواعد الدستورية تشتغل وبدون ضمانات دستورية تجعلها في منأى عن تأسيس وعلى أنقاضها نظام جديد يقوم على مرجعية غير وضعية مما يجعل من الخطاب العلماني القادر ولوحده على مواجهة ظاهرة الإسلام السياسي.
فدسترة اللائيكية تعني إدماج الشرط الثقافي للديمقراطية واعتباره قاعدة للعبة السياسية وشرطا للولوج الى الحقل السياسي و ضمان استقلالية المجال العمومي عن المقدس الذي يتحول الى فضاء ليس لتأويل النصوص الدينية ولكن لتنافس المشاريع السياسية بالانتقال من دائرة الافتاء الى مجال السوق السياسية إضافة الى اعتبار الروابط القانونية المسوغ الوحيد للعلاقات القائمة بين الأطراف السياسية.
إن فكرة وآلية اللائكية ستمكن الوثيقة الدستورية من تشكيل المدخل القانوني للتحديث الرامي الى القطع مع الفهم الثيقراطي للنص الدستوري حيث ازدواجية سيادة الله وسيادة الأمة وتأسيس نسق سياسي قادر على الاشتغال وفق مقتضيات سمو الدستــــور، فصل السلط......واعتبار المقتضيات الدستورية المسوغ الوحيد للشرعية السياسية والضابط لاشتغال النسق السياسي وتدعيم مسلسل الدمقرطة وحماية القنوات والمؤسسات الديمقراطية من المشاريع الدينية وخطر العودة الى ثيقراطية القانون الدستوري.
2- دستور المؤسسات:
تقوم معادلة الانتقال الديمقراطي في واجهتها التدعيمية على ضرورة وجود نسق سياسي ممأسس يحتكم الى الشكلانية الدستورية، ففكرة المأسسة يجب أن تحكم الوثيقة التي يقدمها أطراف الانتقال باعتبارها سقف التوافق وقواعد اشتغال النظام الجديد لمابعد لحظة الانتقال.
فالوثيقة الدستورية في صيغتها الحالية غير قادرة على تشكيل السقف القانوني لممارسة ديمقراطية دستورية بحكم تغييب المأسسة عن الفكرة التي حكمت صياغة مقتضياتها بإبعاد مفاهيم فصل السلط و التمثيل السياسي و استقلال القضاء عن النص الدستوري واستبدالها بنظام " شخصانية السلطة "، فعودة المأسسة كفكرة وكقاعدة للعبة الى النص الدستوري المغربي تعني اكتشاف البعد الدستوراني باعتباره نظاما للكوابح واتخاذه كإطار لإعادة توزيع السلط في اتجاه تأسيس فضاء مستقل لمؤسسة الوزير الأول يعيد الهندسة الدستورية للسلطة التنفيذية المدمجة لشرعية الانتخاب ولفكرة الاشتغال بقطبين، كما أن المأسسة تعني تأسيس نسق سياسي عبر القناة الانتخابية المانحة لشرعية الفعالية والإنجاز وميلاد سلطة الإرادة العامة الحائزة على وظيفة التمثيــــل السياســــي للأمــــة في دلالاتهـــا الغير إسلامية, وتخويل السلطة القضائية إمكانية ممارسة التحكيم والتأويل القضائيين بتدعيم مسوغات استقلاليتها ومنحها إمكانية مراقبة سمو الدستور والتأكد من مدى احترام تدخلات الأطراف السياسية للشكلانية الدستورية.
- من حكومة جلالة الملك الى حكومة الوزير الأول:
أظهرت القراءة الدستورية للتناوب التوافقي على أزمة النصوص المؤطرة لفضاء تدخل مؤسسة الوزير الأول وعدم قدرة المقاربة الشخصانية على تجاوز فكرة دستورية مؤبدة داخل القواعد القانونية تقضي بتهميش هذا الفاعل عبر مستويات الشرعية، الصلاحيات، الإشراف على الجهاز التنفيذي إضافة الى غياب فضاء دستوري خاص بالوزير الأول وانتماء العلاقات التي تربطه بباقي السلط الى مجال القواعد الغير المكتوبة القادرة لوحدها على تبرير علاقة برلمان منتخب بوزير تكنقراطي، وطبيعة الإشراف على مجال السلطة التنظيمية بوجود وزارات المجال الملكي.
مما يجعل من الوزير الأول مجرد امتداد لصلاحيات المؤسسة الملكية وواجهة لإعمال مبدأ مسؤولية الحكومة في غياب مسوغات قانونية واضحة تمنحه قيادة وتوجيه العمل الحكومي، فالتغيرات التي عرفتها نخبة مؤسسة الوزير الأول وفي علاقة بطبيعة الأدوار السياسية الضمنية الموكولة لها، لم تؤدي الى بلورة ممارسة خاصة بهذا الفاعل تصل الى مستوى الأعراف الدستورية الضابطة لاشتغالها، ولم تتغير درجة تفعيل صفة الوزير الأول باعتباره وزيرا غير عادي حتى في ظل تجربة التناوب حيث بقي التغيير يلامس فقط فضاء الرموز دون أن يخلخل قواعد اشتغال النسق الغير معتادة على وجود وزير أول قوي وبصلاحيات هامة.
وضع يثير أسئلة مدى إمكانية قيادة وزير أول تكنقراطي لمسلسل الانتقال الديمقراطي ؟ والغاية من خطاب تأهيل الأحزاب ومطالبتها ببرامج سياسية تنافسية في فضاء سياسي لايخولها امكانية ترجمتها من خلال الاشراف على مؤسسة الوزير الأول ؟ وعن جدوى اللعبة الانتخابية ذات الرهانات السياسية المحدودة حيث السقف يكمن في الوصول الى المؤسسة التشريعية دون قدرة هذه الأخيرة على احتكار انبثاق مؤسسة الوزير الأول بشرعية انتخابية وحكومة منسجمة تعكس طبيعة الخريطـــــــة الانتخابية وإرادة الناخبين ؟
إن حدث تعيين السيد إدريس جطو كوزير أول وطبيعة الردود التي أثارها خصوصا بين أحزاب الكتلة، قد أدى الى عودة النقاش حول هذه المؤسسة الى المجال العمومي خصوصا بعد جمود مطلب التعديل الدستوري في أعقاب استفتاء 1996، حيث اختزلت اشكالية الوزير الأول في مستوى حياده وتم ربطه بسابقة الوزير الأول لتجربة التناوب واعتبارها عرفا دستوريا مؤسسا وإن بوجود نص دستوري واضح لا يقيد صلاحيات المؤسسة الملكية في اختيار الوزير الأول، وهو مستوى لتشخيص أزمة المؤسسة لا ينفذ لقواعد اشتغالها ولا يمتد حتى الى التفكير الذي حكم المذكرات الدستورية التي كانت تروم الى تأسيس دستوري لمجال الوزير الأول.
فميلاد نسق دستوري لتفعيل مؤسسة الوزير الأول يعني إعادة النظر في الفكرة المؤسسة للوثيقة الدستورية بالمغرب عبر إدماج اللعبة الانتخابية في المسلسل الدستوري واستبدال " شرعية التعيـين " ب " شرعية الانتخاب " ومنح المؤسسة التشريعية مكنات منح شهادة الميلاد للحكومة من خلال مؤسسة الوزير الاول مما يحيل على هندسة جديدة للنسق الدستوري تمس مستويات السلطتين التشريعية والتنفيذية ومكانة الفاعل الحزبي وستؤدي الى إدخال مكنات جديدة لاشتغال النسق الدستوري كالمسؤولية السياسية للحكومة والمحاسبة الدورية للقاعدة الانتخابية.
إن المسؤولية الدستورية للوزير الأول تقضي توفره على صلاحيات واضحة وآليات للفعل تمكنه من الإشراف على العمل الحكومي واستحضار اكراهات الخريطة الانتخابية والبحث من داخلها على صيغ التعايش والانسجام الحكوميين خارج الضمانات الغير المؤسساتية التي اشتغلت بها الحكومات السابقة، فسؤال المؤسسة يحيل من داخل فرضية حكومة الوزير الأول على:
* أولا: مأسسة التنصيب: بتحويل علاقة ملك / وزير أول من علاقة شخصية الى علاقة شكلانية مؤسساتية حيث يستحضر التنصيب نتائج العملية الانتخابية والخريطة السياسية البرلمانية وطبيعة الأقطاب المشكلة له، ومن تم تعبير منصب الوزير الأول عن اختيار " الإرادة العامة " المجسد في المؤسسة التشريعية.
* ثانيا: مأسسة الاختصاص: عبر توزيع داخلي للصلاحيات التنفيدية بين ملك/وزير أول يمكن من ميلاد فضاء دستوري خاص بالوزير الاول ويسمح بقيادة ثنائية للسلطة التنفيذية بحضور دائم لفكرة تعايش الأشخاص، الشرعيات، الصلاحيات الدستورية....
- البرلمان وممارسة التمثيل السياسي للأمة:
إن الإقرار بأزمة التمثيل البرلماني تقودنا الى البحث عن تمثلاتها، وهل تعود الى القواعد الدستورية التي تجعل البرلمان ممثلا ثانيا للأمة أم الى شرعية التمثيل بفعل لازمة عدم مصداقية ونزاهة المسلسلات الانتخابية وضعف التعاقد الانتخابي بين الممثل والممثل أم الى كون النسق الدستوري المغربي في جوهره غير قابل بالاشتغال وفــق التمثيل البرلماني الدوري بفعل مركزية وإجماعية التمثيـل فـي مستوى المؤسسة الملكية؟؟.
فالأطراف السياسية تستحضر هذه المستويات من الأزمة ومع ذلك لم تعد النظر في المفهوم المغربي للتمثيل الذي لا يقبل بإطار المؤسسة التشريعية ويتجلى ذلك في التوافق على دسترة مؤسسات للتمثيل الاقتصادي والاجتماعي وعدم الاحتجاج على مسلسل تجاوز البرلمان بالبحث عن التمثيل في إطارات اللجن الملكية والمجالس الاستشارية التي زكت المسكوت عنه في اللعبة البرلمانية والمجسد في كون المؤسسة التشريعية ليست مجالا لممارسة السلطة مما جعلها تمارس " تمثيلية رمزية " والتعبير عن " وهم الحراك " و " التغيير الاجتماعي "، ولعل هذه القناعة قد امتدت الى القاعدة المحكومة التي أصبحت تؤطر خارج القنوات التقليدية للتمثيل ذات النهاية البرلمانية.
إن سؤال التمثيل السياسي للأمة يعني إدخال بعد المواطن في المعادلة الدستورية وفق آلية الانتخاب المحددة للتعاقد الاجتماعي مابين أطراف التمثيل والقواعد الاجتماعية مما سيجعل مسألة التمثيل السياسي محسومة ليس فقط على مستوى قواعد الاشتغال ولكن أيضا عبر البحث عن قواعد اجتماعية للمؤسسات الدستورية التي يجب أن تقطع مع صورة كونها بنية فوقية فاقدة لأي امتداد اجتماعي وبعيدة عن طبيعة الحراك وصراع المشاريع والسوق الانتخابية للفعل الحزبي.
فالبرلمان في بحثه عن مصالحة مع " الإرادة العامة " في حاجة الى سقف دستوري واضح خارج امتداد المؤسسة الملكية والى آليات قانونية كفيلة بممارسة الإشراف على الحقل السياسي الرسمي عبر توسيع مكناته في التشريع والرقابة وقبول الأطراف بالاشتغال عبر قناته بتدعيم شرعيته الانتخابية وجعل فضائه مجالا ورهانا للصراع السياسي.

- السلطة القضائية وتفعيل معادلة استقلال القضاء:
تعبر الوثيقة الدستوريةعن ضعف مأسسة وارتباط جهاز القضاء بالنص الدستوري الخالي من تحديد دقيق للروابط بين القضاء والنظام السياسي وطبيعة العلاقة الفعلية مع باقي سلط الدولة وأيضا للوظيفة الموكولة مؤسساتيا لهذا الجهاز، مما يجعل من الصعوبة تحديد الأطراف والمؤسسات الدستورية المشرفة على هندسة السياسة القضائية وتحديد الأسس الدستورية الضامنة لاستقلال العدالة.
إن الدستور المغربي لا يتوفر على باب خاص للعدالة ولا يحدد الدلالات الدستورية لاستقلال القضاء ولايرسم للقاضي وظيفة دستورية صريحة على عكس تجارب دستورية مقارنة، حيث نجد الفصل 66 من دستور الجمهورية الخامسة الفرنسية ينص على " أن جهاز القضاء هو حارس الحرية الفردية " في حين يرسم الدستور الإيطالي حدودا لتدخل السلطة التنفيدية في عمل السلطة القضائية فطبقا للفصل 110 فإن " اختصاص وزارة العـدل يبقى محـدودا في تنظيـم وقيادة المصـالح التابعـة للعـدالة ".
غياب أية مقاربة مؤسساتية لتفعيل معادلة استقلال القضاء, قد جعلت خطاب الإصلاح محصورا في مقاربات تقنية مرتبطة بتأهيل الموارد البشرية والمساطير والإجراءات وتسريع الولوج الى العدالة, كما تم استبعاد من مجال تدخل القاضي ميادين عدالة الانتقال وحماية الحقوق والحريات وبناء المؤسسات الديمقراطية مما جعل الأحكام غير قادرة على تسريب فكرة الحقوق والحريات وتحويل فضاء المحاكم الى منتديات للنقاش السياسي العمومي، فتزايد الاهتمام بإصلاح الجهاز القضائي لم يواكبه احتلال هذا الأخير لمواقع جديدة في الفعل السياسي ولم يستطع القاضي أن يرسم صورة تتجاوز علاقة قاضي / متقاضي بالانتقال الى ممارس لوظيفتي التمثيل والتداول ومنافسة النسق التقليدي للتمثيل القائم على محدد الانتخاب بالظهور بمظهر حارس حقوق الأفراد والشرعية القانونية والهوية الديمقراطية للدولة.
إن تدبير أسئلة الإصلاح القضائي لا تتم في المجال العمومي بل هي مرتبطة بالإكراهات الدولية وبرأس التنظيم السياسي، فتيمة القضاء لم تؤطر بفضاء الـمناظـرات والمـواثيـق الـوطنيـة مـن أجـل إبـــرام " ميثاق من أجل العدالة ", ولم تسمح صورة القضاء التقليدي المرتبطة بالإمام من ميلاد تدبير يروم الى إدماج المتدخلين لتقديم القضاء ليس فقط كدعامة لاقتصاد السوق ولكن أيضا لبناء دولة القانون.
فآلية فصل السلط وتفعيل مبدأ استقلال القضاء، تصطدم بغياب الحدود بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وعدم تدبير جهاز القضاء وفق تقنية القوانين التنظيمية وبتقوية دور وزير العدل حيث وضع قضاة النيابـة العـامة تحت سلطته وامتلاكه لآلية الانتداب وتحريكه لمسطرة التـأديب وتتبعه لثروة القضاة وعائلاتهم, إضافة الى أن البنية القانونية المؤطرة لاشتغال القاضي المغربي تبعده عن فضاء الحقوق والحريات حيث المنع يشمل النشاط السياسي وكل موقف يكتسي صبغة سياسية وتأسيس نقابات مهنية أو الانتماء اليها في وقت يطالب فيه القاضي المغربي وعبر واجهات القضاء الإداري والتجاري من ضمان الحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية.
إن البنية القانونية المؤطرة لعمل القاضي وطبيعة تكوينه وارتباطه بمؤسسة إمارة المؤمنين عبر تمثلات الظهير، إصدار الأحكام باسم جلالة الملك ورئاسته لمؤسسة المجلس الأعلى للقضاء ستجعل القاضي المغربي لايستحضر النقاشات الدائرة في المجال العمومي مما جعل تأثيره كفاعل في الفضاء السياسي ضعيفا، فتغيير البناء التنظيمي لجهاز القضاء بالانتقال الى القضاء الإداري والتجاري لم يخلخل الفكرة التقليدية لاشتغال القاضي المغربي والدخول في مشاريع لبناء دولة القانون / المواطنة / الانتقال الديمقراطي عبر الأحكام القضائية الحاملة لتأويلات جديدة تنطلق من فكرتي الحق والقانون وتعيد قراءة الوثيقة الدستورية لتفعيل استقلال القضاء في مواجهة تحكمية السلطة التنفيذية.
لحظة الانتقال الديمقراطي تفترض القطع مع الوظائف التقليدية للقضاء المغربي وتأديته وظائف متمثلة في تأويل الوثيقة الدستورية في اتجاه بناء صك الحقوق وتأهيل المقاولة وارساء علاقة جديدة بين المواطن والإدارة خارج فكرة الإدعان، وظائف بسقف قانوني ومؤسساتي قائم على مبدأ استقلالية القضاء وعبر هندسة دستورية كابحة لتدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاء وتحديد قانوني لوظيفة القضاء والقاضي داخل النسق الدستوري العام
إن الهندسة الدستورية للسلطة القضائية في الوثيقة الدستورية للإنتقال الديمقراطي تمر عبر الرقي بالقضاء من مستوى الجهاز الى سلطة وإفراد باب للعدالة، وتحديد علاقاته مع باقي السلط سواء في الصك الدستوري وعبر آلية القوانين التنظيمية المستوجبة لمراقبة قبلية للمجلس الدستوري وتحديد الوظائف الدستورية للسلطة القضائية بجعلها ضامنة للحقوق والحريات ومالكة لسلطتي التأويل والتحكيم القضائيين والانتقال من المراقبة السياسية للنســق الدستوري الى "قضائية السياسة" و دسترة مكانة القاضي وجعله فاعلا في النسق الدستوري وتقوية الطابع الانتخابـي لهيآتـه التمثيليـة التي يجب أن تنفتـح على المكونـات المتدخلـة فـي العمليـة القضائيـة.
3- دستور دولة الجهات:
لقد جعلت الدولة المغربية من المركزية مبدأ لاشتغالها ومن المنطق الوحدوي الأساس للبحث عن الاستقرار السياسي والمؤسساتي، فالمجال الترابي مدمج في مقاربة لوحدة السلطة في انسجام مع نموذج الدولة التدخلية الحائزة لوحدها على ميكانزمات السلطة والتي لا تسمح بتشكيل فضاءات مجالية مضادة خارج وصاية المركز.
الا أن عدم قدرة الدولة على الاستجابة للمطالب الجديدة للمجال المحلي وفشـل نموذج التنمية من أعلـــى جعلهـــــتـا تبلور هندسة ترابية عبر سياسات جماعية ( 1960-1977) واقليمية (1963- 1977) وجهوية (1971 – 1984 – 1992 - 1996) في غياب لفكرة سياسية واضحة لاشتغال البنيات تحت دولتية، فالسياسات العمومية المحلية تنطلق من إطارات مرجعية متباينة (اللاتمركز، اللامركزية، الجهوية) مما أدى الى تشكيل مستويات إدارية عدة في إطار منطق للتسويق المؤسساتي اكثر منه البحث عن إعادة الدينامية للحياة المحلية وتنمية ثقافة القرب.
كما أن الانتقال وعبر الترسانة القانونية المتمثلة في ظهير 1971، ظهير 1976 الى إرساء المؤسسات المحلية لم يؤدي الى اقتسام السلطة بين الدولة والمجتمع، فالشرعية التقليدية للإدارة الترابية تتعايش عبر نماذج البنيات الاقليمية والعمالاتية مع ممثلي الديمقراطية المحلية، بل وتحمل النصوص القانونية لاتوازنا مؤسساتيا جوهريا بين ممثلي الدولة والنخب المنتخبة حيث عمل المركز من خلالها (أي النصوص) على تصدير أدواته في الضبط والمراقبة الى المحيط.
بمعنى أن خطاطة المركزية والجهوية، لم تجعل التراب الوطني فضاءا للحرية ولكن رهانا للسلطة التي عملت على نقل أزمة الحكم الى المستوى المحلي لتجنيب بروز توثرات اجتماعية حاملة لفرضية تهديد التوازن العام للنظام, فاللامركزية لم تؤدي الى مراجعة السلطة ولكن فقط الى تغيير آليات وقنوات تدخل السلطة التي أصبحت تمارس ليس عبر المركز ولكن من خلال ممثليه على المستوى المحلي.
إن فكرتي الوحدة والتوافق قد أطرت عملية الانفتاح على الفضاء المحلي، فالنسق الترابي قد أخرج من مجال القانون وارتبط برئيس الدولة عبر تقنية الظهير، واتبعت سياسة لا تسييس النقاش حول الجماعات المحلية بابعاده عن المؤسسة التشريعية وارتباطه بإطار المناظرات الوطنية، كما بحثت الأطراف عن توافق موسع خارج القنوات الدستورية لاخراج قانون الجهات والقانون الجماعي الجديد، فالمجال الترابي المغربي يتميز بلاتسييس الرهانات المحلية وبغموض قواعد اللعبة السياسية المحلية.
كما أن التقطيع الترابي قد حركته هواجس الامن والضبط بدل التشارك والقرب مما أدى الى فشله في اقتراح فضاء للتنمية المحلية ومشروع جديد للمجتمع بسبب غياب الانسجام بين مكوناته وانطلاقه من رؤية تكنقراطية مكتبية لم تستحضر الأبعاد الاجتماعية والثقافية للمجال الترابي ودورها في انجاح مسلسل التنمية.
إن مرور أكثر من ثلاثة عقود على إرساء البنيات المحلية والتفكير في المحلي من خلال مقاربات المركزية والجهوية، قد أدى الى:
* أولا: فشل تشكيل فضاءات محلية للسلطة وعدم السماح بميلاد سلطة محلية منافسة للمركز بسبب غياب مقاربة توزيعية للسلطة بين المركز والمحيط، فالمنطق الوحدوي للدولة يستمر في الاشتغال مع نموذج إداري وترابي غير منسجم مع الوضع الجديد للدولة المغربية المتميز باللالتزام.
* ثانيا: ضعف آليات التمثيل والانتخاب وحضور ميكانزمات الشخصنة والتسلسلية ومركزة السلطة بيد ممثلي المركز، مما جعل المؤسسات المحلية غير قادرة على انتاج التغيير ولو في تصورات المواطن الغير قادرة على ملامسة التمييز بين السلطة المنتخبة والسلطة المعينة.
* ثالثا:عدم قدرة المحلي على إحداث قطيعة مع الشرعية التقليدية للإدارة الترابية، بسبب امتداد ثقافة المركز على المحيط والنظر لهذا الأخير باعتباره فضاءا لمكافأة الأعيان المحليين والسماح بمنافسة محدودة بين الأحزاب وفق انتخابات تقدم على أنها لاسياسية.
وبالتالي، فهل هذه الخلاصات يمكن أن تسمح بميلاد الزوج دولة / جهة يفترض إعماله مسلسلا للتجديد يمس جميع البنيات ؟ أم أن ضبط اللعبة المحلية ومنح قواعد قانونية وآليات لسلطة الوصاية سيحجب فكرة " الاستقلال الجهوي " المشكلة للمبدأ الأساسي للنسق الجهوي ؟
فعبر معادلة دستور - الانتقال ديمقراطي، ظهرت آلية الجهوية كنتاج لثلاث مسلسلات سياسيـة، كمسوغ لاحتجاج المطالب القومية أو الترابية وأساسا لتشكيل حدود وطنية مقبولة وأمة قائمة على أساس التعددية، و كآلية جسدت توافق اطراف الانتقال على إفلاس نمط تدبير ترابي انهار مع انهيار التنظيم القديم، حيث الجهوية أصبحت مرادفة لقواعد اللعبة السياسية والإطارات المؤسساتية لاشتغال دولة التدعيم الديمقراطي، و كقاعدة دستورية للتغيير، قدمت حلا وسطا بين مطالب المركز والنزعات الاستقلالية للجماعات الترابية.
إن هذه النماذج الثلاث، تبقى غير قادرة على تأطير فكرة الجهوية بالصيغة التي تقدم بها عبر التجربة المغربية وإن كانت تستحضر ضمنا أسئلة الانتقال الديمقراطي والتدبير الديمقراطي المحلي، فالجهوية تطرح في إطار معادلة سياسية وطنية لاتروم فقط الى إعادة النظر في بنية المجال الترابي للدولة وأنماط التدبير الإداري والسياسي المحلي ولكن كحل لمشكل الصحراء واستجابة للدعوات الأممية التي تطلب من أطراف النزاع تقديم مقترحات ملموسة أمام أزمة خيار التسوية المؤسسة على حل الاستفتاء وطول أمد فترة اللاحرب واللاسلم والعبء المالي لتدبيرها.
فآلية الجهوية يجب أن تتحول الى فكرة عامة لتدبير المجال الترابي عبر انتقال شكل الدولة من الطابع الموحد الى دولة الجهات ويراعى في التقسيم الترابي ليس فقط المنطلقات الاقتصادية بل أيضا العوامل التاريخية والثقافية واللغوية، مع منح الوحدات الجهوية إمكانية " الاستقلال الذاتي " الذي يخول لها التوفر على مؤسسات خاصة قادرة ومن منطلق " الخصوصية " على الاستجابة لمطالب المحلي.
على سبيل الختم:
لقد دخل النظام السياسي المغربي مرحلة جديدة تتميز بتعددية الفاعلين وتغيير في طبيعة تركيبة الثقافة السياسية وتزايد المطالب الديمقراطية والتحديثية كمدخلات في حاجة الى أجوبة مؤسساتية وقانونية، إن الولوج الى هذه المرحلة قد تم في غياب تجديد قواعد العمل السياسي التي بقيت جامدة منذ التوافق الانتقالي على دستور 1996 الحامل لرهان انجاح تجربة التناوب التوافقي.
إن الاتفاق الضمني على الابقاء على محتوى اللعبة السياسية والدستورية وإبعادها عن يد التعديل والتغيير قد جعل الأطراف السياسية تعيش غموضا على مستوى بلورة رؤيتها لشكل التقنين وطبيعة القواعد القادرة على تأطير علاقاتها والاحتكام الى مقتضياتها، فالإقرار بأزمة القواعد الحالية واستبدالها بالاشتغال وفق تأويلات سابقة وبفضاءات ايديولوجية يحكمها التوافق والتراضي والبحث عن منشآت للحوار خارج معادلة الديمقراطية، يجعلنا نتسائل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، هل تعود الى اعتياد النسق السياسي المغربي على الاشتغال خارج دائرة الشكلانية القانونية وبالتالي القبول بانتقال الأزمة من مستوى الخلل العادي الى مستوى بنيوي ؟ أم الى احساس الأطراف بلا جدوى الاحتكام الى قواعد مكتوبة واضحة وتفضيل المقاربة الشخصانية والثيوقراطية لتأطير علاقاتها برأس التنظيم السياسي ؟
فهذا الاتفاق المستمر المبعد للنص الدستوري على تنظيم الحياة السياسية المغربية يصطدم بمحور للصراع خارج دائرة التوافق الايديولوجي الفوقي، مشكلا من مكونات المجتمع المدني التي وإن في غياب مستوى من التصور الواضح لمشروع علاقة جديدة بين السلطة والفاعلين وبين المجتمع السياسي والمدني، فإنها تعمل على خلخلة الأسس الدستورية للبنية القانونية تحت دستورية عبر مطالب تنفذ الى الفكرة التي قامت عليها الوثيقة الدستورية بالمغرب بنزع طابع " الخصوصية " والايمان بعالمية الديمقراطية.
سؤال الانتقال الديمقراطي ومن خلاله المدخل الدستوري يتعثر بسبب ابتعاد الاطراف في بحثها عن شرعية مكتسبة عن الخطاطة القانونية والديمقراطية وفي عدم احساسها باكراهات تقودها للشروع في مسلسل دمقرطة حقيقية، إن توظيف السلطات التقليدية ( التعيين ) وماتمنحه السلطة الاقتصادية والقدرة على التكيف مع الخطابات الجديدة دون إحداث تغييرات كبرى في أسس النظام والتمطيط الجيد لقضايا ترابية، اقتصادية واجتماعية وجعلها خارج المدخل الديمقراطي، يجعل المؤسسة الملكية لاتظهر كفاعل يحاول دمقرطة النظام، فالاحساس بالقوة بعد لحظة الاستخلاف وهشاشة وضع النخب الحزبيــة وغياب مشاريـــع منافســـة لـ "المشروع الملكي" تجعـل نظام ما بعد الاستخلاف أقـرب الى دور " أمير المؤمنــين " والى مرجعيــة "الفكر الحسني" أكثر من النموذج "الاسباني للانتقال" الذي سكن متخيل النخبة السياسية بعد لحظة الانتقال السلمي للسلطة.

فالمؤسسة الملكية سيجت التغيير في مستويات لا تنفذ الى الشروع في مسلسل الانتقال الديمقراطي والتفكير في قواعد قانونية تسمح بميلاد تنظيم سياسي جديد عبر مايلي:
أولا: بالابقاء على الميثاق الضمني الموروث كسقف للعلاقة القائمة بين الملكية وأحزاب الحركة الوطنية وهوميثاق للجمود وليس للتغيير، فانتهاء الزمن السياسي للتناوب وتحقيق الانتقال السلمي للسلطة لم يستتبع بإعادة التفكير في بلورة ميثاق جديد بل بالاحتفاظ بذات النخب في فضاء السلطة التنفيدية الى جانب التكنقراط والاحزاب اليمينية وبانتخابات لم تتغير جوهريا قواعد إعمالها وببرنامج قاصر على تدبير المعضلات الاقتصادية والاجتماعية.
ثانيا: الاستمرار في احتواء المطالب الحقوقية والقانونية بمرجعية الفصل 19، فصفة أمير المؤمنين مكنت الملك من الظهور كحكم حول مكانة المقدس داخل مدونة الأسرة وكمعبأ لمصالحة المغرب مع مرجعيته وثقافته الأمازيغية وكضامن لتجاوز سنوات الرصاص عبر صيغة لاتسمح بالاقرار بالحقيقية / العدالة / المصالحة.
ثالثا: الاحتفاظ بالتأويلات الدستورية السابقة وبالقراءة الملكية والتقليدانية للوثيقة الدستورية التي تجعل من الوزير الاول وزيرا محايدا والبرلمان فضاء غير مفضل لممارسة السلطة والسلطة التنفيذية مقسمة الى تدبيرية وسياسية.
إن هذا الاستقرار على مستوى آليات تدخل المؤسسة الملكية قد واكبه عدم تغيير وسكون بل واختفـــاء لمشاريـــع مواثيق سياسية قادرة على تأطير فعـــل التغيير السياسي، فأحـزاب الحركة الوطنية تعمل على تمطيـــط مدخـل "التعاقد التاريخي" في داخـل فضـاء التوافـق (قضيـة نيروبي، الانسحاب من البرلمان، اضراب 1990) او الـممهدة لإبرام مواثيـــق جــديــدة (الـمذكـرات الدستوريـة)، إن استبدال إطـار "التفـاوض " بـ"التشاور" قد جعل هذه الاحزاب مندمجة في فضاء سياسي استطاع توظيفها ظاهريا ( معارضة – أغلبية ) أو ضمنيا ( الاستخلاف – تجديد الشرعي) دون الاستجابة لمطالبها الاصلاحية السياسية والدستورية ودون منحها درجة الشريك – الفاعل في نسق سياسي يشتغل وفق ثابت مركزية القرار وأحاديته.
ومن تم فإن السؤال الذي يبقى مفتوحا، هو مدى قدرة الأطراف الزمنية على تجنب إكراه الدمقرطــة ؟ وعن استمرار استعداد البنيات التقليدية الدستورية تقديم أجوبة لمطالب تروم الى تأسيس دولة القانون، المواطنة، المؤسسات...؟ وهل مطلب التقنين القانوني والدستوري للنظام الديمقراطي وفي غياب نخبة سياسية حاملة له سيمر الى الفضاءات الاقتصادية والمدنية ؟ بمعنى هل رهان التحديث السياسي والدستوري سيكون نتاجا لدولة قانون اقتصادي ولمجتمع مدني حداثي وديمقراطي ؟، إن هذا السيناريو يطرح بسبب أزمة التنظيمات الحزبية وإن كانت مسلسلات الانتقال الديمقراطي كقاعدة تقودها الاحزاب السياسية فإن جوهر مشاريع الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني والتي تروم تباعا الى تأسيس دولة القانون الاقتصادي على أنقاض دولة الريع والمجتمع الديمقراطي بدلا عن مجتمع الرعية لايمكن أن يتعايشا مع نسق سياسي مغلق ومؤطر بقانون دستوري لشخصانية السلطة.
فالوثيقة الدستورية للإنتقال الديمقراطي – كما طرحناها في هذه الدراسة – هي الوثيقة الحاملة لتغيير على مستوى الفكرة الدستورية والثقافة الدستورية السائدة لدى الفاعلين في الحقل السياسي المغربي، إنها وثيقة وعبر لحظة وضعها قادرة على:
تأطير الحوار بين الفاعلين للوصول الى اتفاق حول القواعد المكتوبة للنسق السياسي.
إدماج الفرد عبر صيغ للحقوق والحريات في بناء قانوني ظل يؤطر فقط مستوى السلطة.
- ميلاد نسق بهندسة دستورية مبنية على " الدستورانية " كفكرة وكآليات.
إن وثيقة بتوافق صريح حول قواعدها وبمرجعية نابذة للخصوصية منفتحة على تجارب الانتقال الدستوري المقارن وبيانات الحقوق والحريات وبمحددات الدستورانية كفصل السلط، سيادة الأمة والتمثيل السياسي...هي الوحيدة القادرة على إحداث تغيير في آليات اشتغال النظام السياسي المغربي، فالتجديد المؤسساتي سيقود الى احتكام الاطراف الى الشكلانية القانونية وإعادة طرح الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية من داخل حقل السياسة والمؤسسات، فالابتعاد عن هذا المستوى من الرهان يعني الاستمرار في الابتعاد عن سياق تجارب الموجة الثالثة للدمقرطة وتدبير توصيات المؤسسات المالية المانحة وإكراهات الشراكة الاقتصادية خارج امتداداتها السياسية والمؤسساتية، وضع استثنائي وربما يقود الى تحريك عملية الولوج في مسلسل للدمقرطة عبر استحضار الضغوطات الخارجية والجهوية أمام القدرة التنظيمية والضبطية على احتواء المطالب الوطنية.

*باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري
aterguine@yahoo.fr